محمد الكاشف.. مسيرة وطنية خالدة بين الصحافة والأدب
- هناك أشخاص لا تُقاس قيمتهم بعدد المناصب التي شغلوها، بل بالأثر الطيب الذي يتركونه في قلوب من عرفوهم
- وكان الكاتب الصحفي والأديب الراحل محمد الكاشف واحدًا من هؤلاء الذين عاشوا حياة هادئة، مخلصة لعملهم ووطنهم وأسرتهم، فرحلوا تاركين وراءهم ذكرى جميلة وسيرة حسنة يصعب أن تُنسى
- وُلد محمد الكاشف في 27 أبريل 1945، وعاش ثمانين عامًا حافلة بالعطاء، قبل أن يرحل في 8 نوفمبر 2025، بعد رحلة طويلة جمعت بين الصحافة والأدب والخدمة الوطنية
د حماد الرمحى
هناك أشخاص لا تُقاس قيمتهم بعدد المناصب التي شغلوها، بل بالأثر الطيب الذي يتركونه في قلوب من عرفوهم. وكان الكاتب الصحفي والأديب الراحل محمد الكاشف واحدًا من هؤلاء الذين عاشوا حياة هادئة، مخلصة لعملهم ووطنهم وأسرتهم، فرحلوا تاركين وراءهم ذكرى جميلة وسيرة حسنة يصعب أن تُنسى.
وُلد محمد الكاشف في 27 أبريل 1945، وعاش ثمانين عامًا حافلة بالعطاء، قبل أن يرحل في 8 نوفمبر 2025، بعد رحلة طويلة جمعت بين الصحافة والأدب والخدمة الوطنية.
بدأ مسيرته المهنية في مؤسسة دار التعاون التابعة لمؤسسة الأهرام، حيث عمل صحفيًا عرفه زملاؤه بالالتزام والهدوء وحسن الخلق. وقبيل بلوغه سن التقاعد تولى الإشراف على باب بريد القراء، وهو من الأبواب الصحفية التي تحتاج إلى قرب من الناس وفهم لقضاياهم وهمومهم.
لكن واحدة من أهم محطات حياته جاءت عقب نكسة يونيو 1967، حين اختارته الدولة ضمن بعثة إلى الاتحاد السوفيتي لتعلم اللغة الروسية. وبعد عودته، انضم إلى صفوف الجيش المصري خلال الفترة من عام 1968 حتى عام 1974، حيث عمل مترجمًا بين الخبراء العسكريين الروس وقادة الجيش المصري، مشاركًا في مهمة وطنية دقيقة خلال سنوات الإعداد لمعركة التحرير، وحتى تحقق نصر أكتوبر المجيد عام 1973.
وبجانب عمله الصحفي وخدمته الوطنية، ظل الأدب حاضرًا في حياته. فقد ترك إرثًا أدبيًا يضم عددًا من الأعمال المنشورة، منها كتاب “بسام الشكعة.. رجل وشعب في مواجهة الاحتلال”، وهو ترجمة لعمل يتناول القضية الفلسطينية، إلى جانب مجموعتين قصصيتين هما “ليلة حب أخيرة” و”أحلام بنت صغيرة في يوم صيفي حار”. كما انضم إلى اتحاد الكتاب، وواصل اهتمامه بالأدب والكتابة حتى سنواته الأخيرة.
وعندما بلغ سن التقاعد، اختار بإرادته ألا يمد سنوات عمله، وكان يقول إنه يريد أن يترك الفرصة للأجيال الجديدة من الصحفيين الشباب، ويتفرغ لمشروعاته الخاصة.
وخلال نحو عشرين عامًا بعد التقاعد، واصل نشاطه المهني، فتولى رئاسة تحرير عدد من الصحف الخاصة، منها صحيفتا “دنيا التعليم” و”الخبر الهادف”
كما واصل العمل على مشروعاته الأدبية، ومن بينها روايتا “دوائر الزمن المجهول” و”المصري والإسرائيلية” اللتان لم تريا النور حتى الآن.
امتاز الراحل محمد الكاشف بالسيرة الطيبة وحسن المعاملة، وكان قريبًا من أسرته وأحفاده، يمنحهم من وقته واهتمامه أكثر مما تمنحه الكلمات.
ولعل أكثر ما يلامس القلوب في قصة رحيله أن يوم وفاته وافق يوم ميلاد حفيده المقرب “علي”، الذي كان يقضي معظم وقته معه خلال السنوات الأخيرة، ويرافقه يوميًا إلى المدرسة برفقة شقيقه عبد الحافظ.
وكانت الأسرة تنتظر خروجه من المستشفى ليشارك حفيده الاحتفال بعيد ميلاده، بعد رحلة علاج استمرت نحو عشرين يومًا إثر إصابته بكسر في مفصل الحوض، إلا أن إرادة الله شاءت غير ذلك، فقبل أن يعود إلى منزله ويحتفل بعيد ميلاد علي، انتقلت روحه إلى بارئها، في مشهد مؤثر جمع بين ذكرى الميلاد ومرارة الفقد.
رحل الكاتب الصحفي والأديب محمد الكاشف، لكن بقيت سيرته شاهدة على إنسان أحب وطنه، وأخلص لمهنته، واحتفظ بتواضعه وإنسانيته حتى آخر أيامه.
وتبقى أعماله الأدبية، وذكرياته بين أسرته وأصدقائه وزملائه، جزءًا من أثر طيب لا يزول.
اللهم اغفر للمرحوم محمد الكاشف وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل ما قدمه من خير وعلم وعطاء في ميزان حسناته، وارزق أهله ومحبيه الصبر والسلوان، واجعل مأواه الفردوس الأعلى من الجنة يا أرحم الراحمين.
د. حماد الرمحي
#بورصة_الصحفيين
#نقابة_الصحفيين







