💰 الذهب: 6,985 ج.م
سعر الذهب عيار 21
6,985 ج.م
كافة الأسعار ←
💱 العملات
🇺🇸 دولار 48.50
🇪🇺 يورو 52.15
الجدول بالكامل
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة
الفجر 04:02
الظهر 11:55
العصر 15:31
المغرب 18:23
العشاء 19:44
☀️ القاهرة: 36°

طقس القاهرة الآن: صافي

طقس المحافظات ←
عاجل
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
مقالات

يا الخرطوم… يا العندي جمالك

خلاصة الخبر في نقاط
  • بينما تتجه بعض الأقلام إلى رصد ما تبقى من آثار الحرب في الخرطوم، وهي مهمة ضرورية لكشف الخلل والتنبيه إلى أوجه القصور، هناك وجه آخر للعاصمة يستحق أن نراه ونحتفي به
  • وجهٌ لا يظهر في صور الخراب، وإنما في الحقول التي عادت إليها الحياة، وفي المياه التي عادت إلى الترع، وفي المزارع التي استعادت دورتها الإنتاجية، وفي الإنسان الذي بدأ يزرع من جديد

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

الخرطوم تتعافى زراعياً
بينما تتجه بعض الأقلام إلى رصد ما تبقى من آثار الحرب في الخرطوم، وهي مهمة ضرورية لكشف الخلل والتنبيه إلى أوجه القصور، هناك وجه آخر للعاصمة يستحق أن نراه ونحتفي به؛ وجهٌ لا يظهر في صور الخراب، وإنما في الحقول التي عادت إليها الحياة، وفي المياه التي عادت إلى الترع، وفي المزارع التي استعادت دورتها الإنتاجية، وفي الإنسان الذي بدأ يزرع من جديد.
الخرطوم تتعافى زراعياً.
هذه ليست جملة للاستهلاك الإعلامي، وإنما عنوان لمسار يستحق أن نتوقف عنده، خصوصاً أن الزراعة تمثل أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي والاجتماعي بعد الحروب.
ولعل كثيرين لا يعرفون أن ولاية الخرطوم من أهم الولايات المنتجة للخضروات، وأن القطاع الزراعي والحيواني فيها تعرض خلال الحرب لاستهداف وتخريب واسع، طال المشاريع الزراعية ومكوناتها الأساسية، من محولات كهربائية ومعدات ومنشآت إنتاجية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والغابات والثروة الحيوانية.
لكن الخرطوم التي عرفت كيف تقاوم الحرب، بدأت تعرف الآن كيف تقاوم آثارها.
وفي هذا المشهد، لا يمكن أن نغفل الدور الذي قامت به وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم، بقيادة الدكتور سر الختم فضل المولى عبد اللطيف، الذي وجد أمامه قطاعاً زراعياً مثقلاً بالخسائر والتحديات، فاختار أن يبدأ من حيث انتهت الحرب، لا من حيث توقفت الحياة.
الرجل، ومعه فريق الوزارة، وضع خطة لإعادة تأهيل المشاريع الزراعية المتضررة، واستعادة مقومات الإنتاج، وتوفير الاحتياجات الضرورية للمزارعين، والعمل على إعادة الكهرباء إلى المشاريع التي تعرضت للنهب والتخريب.
وتقول التقديرات الأولية إن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في الولاية بلغ أرقاماً ضخمة، لكن حجم الضرر لم يكن أكبر من إرادة الإصلاح.
وهنا يأتي دور الأستاذ أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، الذي يبدو أن لديه قناعة واضحة بأن الزراعة ليست ملفاً هامشياً يمكن تأجيله، وإنما واحدة من الركائز الأساسية لتعافي العاصمة.
فقد عادت مشاريع زراعية إلى دائرة الإنتاج، ومن بينها مشروع السليت والعسيلات، كما عادت الحياة إلى قطاع الألبان في حلة كوكو، بعد إعادة تأهيل وتشغيل المنشآت التي تعرضت للنهب والتخريب.
وما أجمل أن يتحول الإنجاز الزراعي إلى فرحة على موائد الناس!
فحين تعود الماشية إلى الإنتاج، ويعود مصنع الألبان إلى العمل، ويجد طفل في الخرطوم كوباً من اللبن المنتج داخل ولايته، فهذه ليست مجرد قصة إنتاج؛ إنها قصة وطن يستعيد عافيته خطوة خطوة.
ولمن لا يعرف تضاريس الخرطوم الزراعية، فإن الولاية تمتلك مساحة زراعية واسعة تقدر بنحو مليون وثمانمائة ألف فدان، وتضم مشاريع زراعية، ومزارع للدواجن، وثروة سمكية، وجمعيات تعاونية، وحفائر وسدوداً لتخزين المياه، وكلها يمكن أن تتحول إلى منظومة متكاملة للأمن الغذائي إذا أحسن استثمارها وإدارتها.
ومن الملفات التي تستحق الإشادة أيضاً ملف إعادة الغطاء النباتي.
لقد تعرضت غابات الولاية لأضرار كبيرة خلال الحرب، لكن وزارة الزراعة اتجهت إلى إنتاج الشتول الظلية والمثمرة وإعادة زراعتها في المؤسسات والمدارس والبيوت، في محاولة لاستعادة اللون الأخضر إلى مدينة أنهكتها الحرب.
وهنا ندرك أن الزراعة ليست فقط محصولاً نبيعه في الأسواق.
الزراعة أمن غذائي، وهي اقتصاد، وهي استقرار اجتماعي، وهي بيئة، وهي عمل، وهي عودة للحياة.
وما يبعث على التفاؤل أكثر تلك القصص القادمة من الريف الشمالي للخرطوم، حيث يتحدث المزارعون عن إنتاجيات مرتفعة لبعض المحاصيل، وعن حركة اقتصادية واجتماعية بدأت تعود إلى القرى. بل إن أحد الأصدقاء الذين أثق في حديثهم نقل لي صورة لافتة عن إحدى القرى التي شهدت موسماً زراعياً ناجحاً، انعكس خيره على حياة الناس حتى أصبحت القرية شاهدة على عشرات الزيجات في موسم واحد.
وهكذا تكون الزراعة.
حين ينجح الفدان، ينجح السوق.
وحين ينتعش السوق، تتحرك المواصلات والتجارة والخدمات.
وحين يتحرك الاقتصاد، يجد الشباب فرصاً للعمل، وتستقر الأسر، ويعود المجتمع إلى ممارسة حياته الطبيعية.
إنها دورة الحياة التي تبدأ أحياناً من حفنة تراب.
ولذلك فإن نجاح الدكتور سر الختم فضل المولى لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن البيئة الإدارية والسياسية التي وفرتها ولاية الخرطوم، ولا عن جهود العاملين في الوزارة والمزارعين أنفسهم.
فالإنجاز الحقيقي لا يصنعه الوزير وحده، ولا الوالي وحده، وإنما تصنعه منظومة تبدأ بالقرار، وتمتد إلى الموظف والمهندس والمرشد الزراعي والمزارع والعامل، وتنتهي عند المواطن الذي يأكل من ثمار هذا الجهد.
ومن هنا نقول لمن أحسن: أحسنت.
ولمن اجتهد في ظروف الحرب وما بعدها: شكراً.
فالمرحلة الحالية ليست مرحلة البحث عن الأخطاء فقط، وإنما مرحلة البحث أيضاً عن النماذج الناجحة وتثبيتها وتطويرها.
وإذا كان هناك من ينظر إلى الخرطوم من نافذة العطش والعتمة، فإنني أريد أن أنظر إليها من نافذة أخرى؛ نافذة الحقل الأخضر.
هناك، بين صفوف البصل والخضروات، وفي حظائر الماشية، ومزارع الدواجن، ومشاريع الري، وأشجار الشتول الجديدة، أرى الخرطوم التي نريدها.
خرطوم لا تنتظر المساعدات إلى الأبد، وإنما تنتج غذاءها.
خرطوم لا تكتفي بإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما تتعلم من أخطائها وتؤسس لمستقبل أفضل.
السودان لن ينهض إلا بالزراعة، ولن يتحقق الأمن الغذائي بالشعارات، وإنما بالأرض والماء والعلم والإنسان والإدارة الرشيدة.
ولهذا فإن كل من ساهم في عودة الخرطوم إلى الإنتاج، في الزراعة أو الصناعة أو التعليم أو الصحة أو الإعمار، يستحق أن يُكتب اسمه في قائمة عودة السودان؛ تلك القائمة التي ينبغي أن نبحث عنها في كل مكان، وأن نكرم أصحابها، لأنهم قدموا نموذجاً حقيقياً للعمل الوطني المنتج في زمن كانت فيه مجرد المحافظة على استمرار الحياة إنجازاً.
والعودة ليست فقط عودة المواطنين عبر قوافل الأمل.
العودة الحقيقية هي أن يعود الإنسان، وتعود الأرض إلى الإنتاج، وتعود المدرسة، والمستشفى، والمصنع، والمزرعة، والسوق، وتعود الخرطوم مدينةً للحياة.
ولعل أجمل ما في كل هذا أن الإنسان السوداني، مهما ابتعد، لا يفقد علاقته بأرضه.
أما أنا، فمحبتي للخرطوم تحملني إليها اليوم قبل الغد، وأريد أن أراها بعيني لا عبر الصور، وأن أمشي في شوارعها، وأرى حقولها الخضراء، وأسمع ضجيج أسواقها، وألتقي بأهلها.
فيا الخرطوم…
قد تكونين اليوم متعبة، وقد تحمل شوارعك آثار حرب قاسية، لكنك لستِ ميتة.
أنتِ تتعافين… وفي حقولك تبدأ الحكاية من جديد.
يا الخرطوم… يا العندي جمالك، سيبقى جمالك في إنسانك، وفي أرضك، وفي نخيلك، وفي حقولك، وفي أولئك الذين اختاروا أن يزرعوا الأمل بدلاً من أن ينتظروا معجزة.
وسيأتي يوم، قريباً بإذن الله، ننظر فيه إلى الخرطوم فنقول:
هنا كانت الحرب… وهنا أيضاً بدأ السودان من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى