من العلمين إلى الـ 347 قصراً للثقافة: هل خسرنا معركة الوعي؟
- كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعي الوطني
- على شواطئ العلمين تلمع الأضواء، حفلات تنقلها الشاشات كل مساء، وفي القاهرة تفتح الساقية أبوابها لفعاليات جديدة
- لكن بعيداً عن الأضواء، هناك رقم آخر يعيش في الظل: 347
- هذا هو عدد قصور وبيوت الثقافة المتبقية في مصر عام 2021، بعد أن كان 594 موقعاً عام 2016
بقلم :
نجوى العشيري
وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش
كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعي الوطني
على شواطئ العلمين تلمع الأضواء، حفلات تنقلها الشاشات كل مساء، وفي القاهرة تفتح الساقية أبوابها لفعاليات جديدة. المشهد مضيء ويليق بصيف يريد أن يفرح.
لكن بعيداً عن الأضواء، هناك رقم آخر يعيش في الظل: 347.
هذا هو عدد قصور وبيوت الثقافة المتبقية في مصر عام 2021، بعد أن كان 594 موقعاً عام 2016. ما يقرب من نصفها اختفى في خمس سنوات.
من قصر إلى شقة.. ومن مسرح 900 كرسي إلى باب مغلق
في سوهاج وحدها، تم حصر ما لا يقل عن 11 بيت ثقافة مغلق كلياً أو يعمل بلا أنشطة حقيقية، منها قصر ثقافة طهطا الذي أغلق للصيانة منذ سنوات ولم يفتح حتى الآن.
والأقرب لنا، قصر ثقافة القناطر الخيرية بالقليوبية. قصر افتُتح عام 2015 على مساحة 4200 متر وبتكلفة 50.9 مليون جنيه، يضم مسرحاً يسع 900 كرسي، ومكتبة، ونادي طفل، وقاعات للموسيقى والكمبيوتر والفنون التشكيلية ونادي مرأة ونادي علوم ومتحف مأثورات شعبية.
لكن ماذا حدث؟ المسرح الكبير، أهم منصة ثقافية في القليوبية، مغلق منذ 4 سنوات كاملة بسبب أعمال الحماية المدنية، بانتظار طرح صيانة بـ 5 ملايين جنيه. وما تبقى من القصر يعمل بأنشطة موسمية متقطعة: ليالٍ رمضانية، أو عرض في مهرجان نوادي المسرح، أو أمسية شعرية.
المبنى موجود، لكن الروح التي بُني من أجلها لم تعمل يوماً بكامل طاقتها.
وفي باقي المحافظات، الصورة تتكرر: بيوت ثقافة عبارة عن شقق مساحتها 20 و40 و80 متراً، لا تقدم أي نوع من التثقيف، وبعضها فيه 70 موظفاً في 40 متراً.
أين ذهبت المدرسة الصيفية؟
جيلي يتذكر أن المدرسة لم تكن تغلق في الصيف. كانت تفتح أبوابها أكثر. كل مدرسة كانت تتحول إلى مسرح صغير، وملعب، ومكتبة مفتوحة.
اليوم اختفى النشاط الصيفي، وتحولت كثير من مراكز الشباب إلى قاعات مناسبات، وأصبحت المكتبة المدرسية غرفة مغلقة.
أسئلة بلا ضوضاء
حين تغيب كل هذه المساحات، من الذي يشكل وعي أبناءنا وهم يقضون يومهم أمام شاشة؟
المفارقة أن مركز معلومات مجلس الوزراء يؤكد في استطلاعه في سبتمبر 2025 أن 69% من شبابنا يحبون القراءة، بينما قال الكاتب يعقوب الشاروني في 2019 إن 88% من الأسر لا يقرأ أي فرد فيها أي كتاب، وتؤكد دراسة قومية أعلنها وزير التربية والتعليم في أكتوبر 2023 أن 30% من أطفالنا دون المستوى في القراءة والكتابة.
الحل ليس في بناء قصور جديدة قبل أن ننقذ الموجود. نحتاج أن ننهي صيانة مسرح القناطر المتعثر ونفتح البيوت المغلقة، وأن نعيد المدرسة الصيفية بقرار يلزم كل مدرسة بفتح مكتبتها ومسرحها في الإجازة.
من العلمين إلى الـ 347 قصراً، المسافة ليست جغرافيا، بل هي مسافة بين قرار يضيء الواجهة، وقرار يضيء الداخل.







