💰 الذهب: 6,985 ج.م
سعر الذهب عيار 21
6,985 ج.م
كافة الأسعار ←
💱 العملات
🇺🇸 دولار 48.50
🇪🇺 يورو 52.15
الجدول بالكامل
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة
الفجر 04:02
الظهر 11:55
العصر 15:31
المغرب 18:23
العشاء 19:44
☀️ القاهرة: 26°

طقس القاهرة الآن: صافي

طقس المحافظات ←
عاجل
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
التنمية العالمية
مقالات

الحوار السوداني السوداني.. من فوق السياسة إلى مشروع بناء الدولة

خلاصة الخبر في نقاط
  • ليست الحروب وحدها التي تهدم الأوطان، فهناك أحياناً ممارسات صغيرة ومتراكمة تهدم مؤسسات الدولة من الداخل، وتُضعف الخدمة المدنية، وتقتل روح المسؤولية، وتحوّل الوظيفة العامة من رسالة لخدمة الناس إلى مساحة للترضيات والانتماءات والمصالح
  • ولذلك، فإن الحديث عن الحوار السوداني السوداني لا ينبغي أن يتوقف عند حدود السياسة، ولا أن يكون مجرد جلسات لتقاسم السلطة أو إعادة ترتيب المواقع، وإنما يجب أن يصعد إلى ما هو أكبر وأعمق: حوار ح

مرفأ الكلمات
عثمان عولي

ليست الحروب وحدها التي تهدم الأوطان، فهناك أحياناً ممارسات صغيرة ومتراكمة تهدم مؤسسات الدولة من الداخل، وتُضعف الخدمة المدنية، وتقتل روح المسؤولية، وتحوّل الوظيفة العامة من رسالة لخدمة الناس إلى مساحة للترضيات والانتماءات والمصالح.
ولذلك، فإن الحديث عن الحوار السوداني السوداني لا ينبغي أن يتوقف عند حدود السياسة، ولا أن يكون مجرد جلسات لتقاسم السلطة أو إعادة ترتيب المواقع، وإنما يجب أن يصعد إلى ما هو أكبر وأعمق: حوار حول الدولة السودانية نفسها، وكيف نعيد بناء مؤسساتها، ونرمم مجتمعها، ونخطط لمستقبلها.
السودان بعد الحرب لن يكون في حاجة إلى إعادة بناء المباني والطرق والجسور فقط، وإنما سيكون في حاجة إلى إعادة بناء الإنسان، وإصلاح المؤسسات، ورتق النسيج الاجتماعي، وإزالة المظالم والمفارقات التي تراكمت عبر سنوات طويلة.
وهنا تأتي قضية الخدمة المدنية باعتبارها واحدة من أهم أعمدة الدولة الحديثة.
العالم من حولنا يتغير بسرعة، والدول التي نجحت في صناعة نهضتها لم تعتمد على الموارد وحدها، وإنما اعتمدت على التخطيط، والكفاءة، والتخصص، والقدرة على استشراف المستقبل، ثم أنشأت الوظائف التي تحتاج إليها خططها التنموية، وليس الوظائف التي تفرضها المحاصصة أو المجاملة أو الضغط الاجتماعي.
نحن بحاجة إلى أن نسأل سؤالاً مختلفاً:
ما الوظائف التي يحتاج إليها السودان في السنوات العشر أو العشرين القادمة؟
إذا كانت الدولة تتجه إلى إعادة الإعمار، فلا بد من استحداث وظائف وتخصصات مرتبطة بالإعمار والهندسة والتخطيط العمراني وإدارة المشروعات والطاقة والنقل والمياه والبيئة.
وإذا كنا نريد نهضة زراعية، فعلينا أن نخطط لوظائف ترتبط بالزراعة الحديثة، والتقنيات الزراعية، وإدارة المياه، والتسويق والتصنيع الغذائي.
وإذا أردنا دولة رقمية، فعلينا أن نُنشئ جهازاً إدارياً قادراً على التعامل مع الحكومة الإلكترونية والبيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي.
هكذا تُبنى الدول.
الوظيفة العامة يجب أن تكون جزءاً من التخطيط الاستراتيجي للدولة، لا مجرد خانة في الموازنة.
وأذكر هنا قصة ظل أحد أجدادي يرويها لي، عن فترة سياسية قديمة من تاريخ السودان، وكان يقول إنه كان في ذلك الزمن شيوعياً صارخاً، ثم يحكي لي كيف كانوا يتعاملون أحياناً مع الموظف الذي يرونه متشدداً في تطبيق القوانين واللوائح.
كان يقول: إذا وجدنا موظفاً يتعبنا بالقوانين واللوائح، فكنا أول شيء نفعله أن نرفع مكتبه، ثم نرفع طاولته، ونتركه يدور في الهواء الطلق، في محاولة لإذلاله وإهانته.
ثم، بعد سنوات، اكتشفوا الحقيقة المؤلمة:
لم يكونوا يهينون الموظف وحده، وإنما كانوا يهينون الوظيفة العامة، ويهينون أنفسهم، ويهدمون هيبة المؤسسة.
وهذه القصة، بصرف النظر عن تفاصيل زمانها ومكانها، تحمل درساً بالغ الأهمية.
الدولة لا تقوم على الأشخاص، وإنما تقوم على المؤسسات.
والموظف العام ليس خصماً للمواطن، والقانون ليس عدواً للناس، واللوائح لم تُوضع لتعطيل مصالح المواطنين، وإنما لتنظيمها وحمايتها.
نعم، لقد بدأ تراجع الخدمة المدنية السودانية منذ أمد بعيد، وتداخلت عوامل كثيرة في ذلك، حتى أصبحت بعض الوظائف مرتبطة بالولاء والانتماء والمناطقية، بدلاً من ارتباطها بالكفاءة والحاجة الفعلية للدولة.
وهنا يجب أن نكون شجعاناً في الحوار السوداني السوداني.
لا يمكن أن نبني دولة جديدة بعقلية قديمة.
الوظائف العامة يجب ألا تكون ولائية، ولا حكراً على أبناء المنطقة، ولا امتيازاً اجتماعياً لجماعة دون أخرى.
الموظف السوداني يجب أن يستطيع أن يعمل في أقصى الشمال كما يعمل في أقصى الجنوب، وفي الشرق كما يعمل في الغرب، وفي الوسط كما يعمل في الخرطوم.
كل السودان وطنه، وأهل كل منطقة أهله.
هذه ليست مجرد عبارة جميلة؛ إنها منهج لبناء دولة وطنية حقيقية.
فإذا كان الطبيب أو المهندس أو المعلم أو الإداري أو القاضي أو الموظف المختص لا يرى نفسه إلا ابن منطقة محددة، فإننا بذلك نعيد إنتاج الانقسام داخل مؤسسات الدولة.
أما إذا رأى نفسه موظفاً سودانياً في دولة سودانية، فإن المؤسسة تصبح مساحة للتعارف والتمازج الوطني، ويصبح انتقال الموظفين بين الولايات وسيلة من وسائل رتق النسيج الاجتماعي، لا مجرد إجراء إداري.
ومن هنا، فإن السودان بعد الحرب يحتاج إلى منهجية وطنية للسلم الاجتماعي.
منهجية تعترف بالمظالم، وتتعامل معها بعدالة، وتزيل المفارقات، وتعيد الثقة بين مكونات المجتمع، وتحافظ في الوقت نفسه على المكون السوداني السكاني بكل تنوعه، وعلى البيئة السودانية بكل ثرواتها ومكوناتها.
لا نريد سلاماً يوقف صوت السلاح فقط، ثم يترك أسباب النزاع تحت الرماد.
نريد سلاماً يجعل المواطن يشعر بأن الدولة دولته، والقانون يحميه، والوظيفة العامة متاحة له وفق الكفاءة، والتنمية تصل إلى منطقته، وكرامته مصونة، ومستقبل أبنائه ليس رهناً بالانتماء السياسي أو الجهوي.
وهذا هو المعنى الحقيقي للحوار السوداني السوداني.
إن الحوار الذي نحتاج إليه يجب أن يخرج إلى ما فوق السياسة؛ إلى حوار حول التعليم، والصحة، والاقتصاد، والخدمة المدنية، والإدارة المحلية، والبيئة، والتنمية، والعدالة، والثقافة، والإعلام، والشباب، والمرأة، والتخطيط العمراني، والزراعة، والصناعة، وإعادة الإعمار.
نحتاج إلى حوار يضع مشروعاً وطنياً متكاملاً للسودان بعد الحرب.
مشروعاً يقول بوضوح:
ماذا نريد أن يكون السودان بعد عشر سنوات؟
ما نوع الاقتصاد الذي نريده؟
كيف نعيد بناء الخدمة المدنية؟
ما الوظائف التي تحتاجها الدولة؟
كيف نطور التعليم ليتوافق مع سوق العمل؟
كيف نعيد توزيع التنمية بعدالة؟
كيف نضمن انتقال الكفاءات بين الولايات؟
كيف نرتق النسيج الاجتماعي؟
كيف نحافظ على البيئة والموارد الطبيعية؟
وكيف نضمن أن تكون الدولة فوق الولاءات الضيقة؟
هذه الأسئلة أهم من السؤال: من يحكم؟
فالحكم الذي لا يمتلك مشروعاً لبناء الدولة لن يصنع المستقبل، وتغيير الأشخاص وحده لن يغير واقع البلاد.
السودان لا يحتاج بعد هذه الحرب إلى إعادة تشغيل الماضي، وإنما يحتاج إلى صناعة مستقبل جديد، يستفيد من أخطاء الماضي ولا يعيش أسيراً لها.
ولعل أعظم انتصار يمكن أن نحققه بعد أن تضع الحرب أوزارها، أن ننتقل من دولة تتعامل مع الأزمات إلى دولة تخطط للمستقبل؛ ومن خدمة مدنية مثقلة بالموروثات إلى خدمة مدنية حديثة؛ ومن مجتمع تمزقه الجراح إلى مجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يتقاتل.
إن رتق النسيج السوداني لن يتم بالشعارات، وإنما بالعدالة، والتنمية المتوازنة، والتعليم، والعمل، والمؤسسات، وتكافؤ الفرص.
ولذلك أقول:
الحوار السوداني السوداني الحقيقي لا ينبغي أن يبحث فقط عن نهاية الحرب، بل عن بداية السودان الجديد.
سودان تكون فيه الوظيفة العامة تكليفاً لا تشريفاً، والكفاءة معياراً لا الولاء، والقانون مظلة للجميع، والتنمية حقاً لكل مواطن، والسودان كله وطناً لكل السودانيين.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة، سنكون قد بدأنا بالفعل في بناء الدولة التي تستحقها الأجيال القادمة. واستحضر مقولة الأخ القائد الكشفي والكابتن بالكشافة البحرية الخرطوم حسن ابوضراع والذي في بعض الأحيان اختلف معه ولكن اختلافنا لايفسد للود مكانا ولكن اتفق معه في مقولته استخدام نفس الادوات وبنفس الطريقة للوصول لنتائج مختلفة هو ليس بالإمكان الصحيح.
فالحرب قد تهدم الحجر، لكن مسؤوليتنا أن نمنعها من هدم الإنسان والدولة والمجتمع.
ومرفأ الكلمات الأخير:
لا نبني السودان بتوزيع الوظائف على المناطق، وإنما بتوزيع الكفاءة على الوطن كله؛ فكل السودان وطنه، وكل أهله أهله، وكل مؤسسة فيه ملك للشعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى