عمار يا مصر
- محمد يوسف العزيزي يكتب: اغتيال الجمال!
- شهدت القاهرة ومعظم محافظات مصر خلال السنوات الأخيرة حركة تطوير واسعة وغير مسبوقة في شبكة الطرق والشوارع والميادين شملت توسعة طرق وإنشاء محاور جديدة وإعادة تخطيط مناطق كاملة خاصة في القاهرة التي عانت لسنوات اختناقات مرورية مزمنة حتى أصبح الانتقال بين كثير من المناطق أسرع ، وانخفض زمن الرحلات التي كانت تستنزف أعصاب الناس ووقود سياراتهم
- ولا يمكن إنكار أن هذه المشروعات حققت نتائج مهمة في التعامل مع مشكلة ال
محمد يوسف العزيزي يكتب: اغتيال الجمال!
شهدت القاهرة ومعظم محافظات مصر خلال السنوات الأخيرة حركة تطوير واسعة وغير مسبوقة في شبكة الطرق والشوارع والميادين شملت توسعة طرق وإنشاء محاور جديدة وإعادة تخطيط مناطق كاملة خاصة في القاهرة التي عانت لسنوات اختناقات مرورية مزمنة حتى أصبح الانتقال بين كثير من المناطق أسرع ، وانخفض زمن الرحلات التي كانت تستنزف أعصاب الناس ووقود سياراتهم.
ولا يمكن إنكار أن هذه المشروعات حققت نتائج مهمة في التعامل مع مشكلة المرور كما أن إنشاء عدد كبير من الكباري والمحاور ساعد على تجاوز نقاط كانت تتوقف عندها حركة السيارات طويلًا خصوصًا في أوقات الذروة ، وكل ذلك يستحق التقدير مع الانتباه إلى أن هذه المشروعات لم تكن سهلة أو قليلة التكلفة وإنما احتاجت إلى استثمارات ضخمة في البنية الأساسية وإلى جهود كبيرة لتنفيذها داخل مدن مكتظة بالسكان والحركة !
لكن لكل تطوير تكلفة ، والسؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل كان يمكن أن تكون هذه التكلفة أقل خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأشجار التي اختفت من كثير من الشوارع والميادين التي طالها التطوير؟
ففي مشاهدات متكررة خلال أعمال التوسعة وإعادة التخطيط بدت الأشجار وكأنها الحلقة الأسهل التي يمكن التضحية بها .. جزر وسطى خضراء اختفت وأشجار قديمة أزيلت ومساحات كانت تمنح الشوارع شيئًا من الظل والجمال اختفت لتحل محلها مساحات اسفلتية وخرسانية أكثر اتساعًا .
المشكلة هنا ليست في رفض التطوير ولا في تجاهل أن بعض المشروعات قد تفرض إزالة أشجار لأسباب هندسية لا يمكن تجاوزها ، وإنما في السؤال عن البدائل التي يمكن أن تحافظ على أكبر قدر ممكن من الأشجار وعن إمكانية نقل بعضها أو إعادة زراعة الأشجار المناسبة بعد انتهاء أعمال التطوير بحيث لا يصبح قطع الأشجار هو الحل الأول والأسهل كلما احتاج شارع إلى توسعة أو تطوير .
الشجرة في المدينة ليست مجرد كتلة خضراء تقف في طريق سيارة أو مشروع وإنما جزء من المشهد الحضري ومصدر للظل وعنصر مهم في تحسين البيئة ، وذاكرة للمكان في كثير من الشوارع والميادين التي ارتبطت أشجارها بتاريخها وصورتها في وجدان الناس.
وتزداد حساسية الأمر عندما نقترب من القاهرة القديمة تلك التي لا تنحصر قيمتها في مبانيها التاريخية وآثارها، وإنما تمتلك شخصية عمرانية وإنسانية تشكلت عبر عشرات السنين .. القاهرة القديمة ليست مجرد مساحة قابلة لإعادة التخطيط كلما تغيرت احتياجات المرور ، فهي في جانب كبير منها ذاكرة حية للمدينة حيث شوارعها وميادينها وأشجارها جزء من هذه الذاكرة.
ولهذا فإن التعامل معها بمنطق هندسي بحت قد يحقق انسيابية أكبر للسيارات لكنه قد ينتقص في المقابل من ملامح المكان فليس كل ما يمكن إزالته ينبغي أن يُزال وليس كل مساحة يمكن توسيعها ينبغي أن تتسع وليس كل ما يحقق حركة أسرع للسيارات يحقق بالضرورة مدينة أفضل للإنسان !
القاهرة التي عرفناها لم تكن جميلة لأنها كانت أقل ازدحامًا فقط، وإنما لأن لها ملامحها الخاصة.. أشجارًا تصنع الظلال وأرصفة تمنح المشاة مساحة للحركة وميادين تحمل ذاكرة المكان، وشوارع لها طابع لا يتكرر. وإذا فقدت المدينة هذه التفاصيل واحدة بعد أخرى، فقد نجد أنفسنا أمام مدينة أكثر اتساعًا وأسرع حركة لكنها أقل جمالًا وأقل إنسانية.
والأمر لا يتوقف عند الأشجار وحدها، فهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث بعد انتهاء التطوير؟
لقد رأينا طرقًا وشوارع توسعت وأرصفة أعيد تنظيمها ومساحات أضيفت إلى الطريق ثم عادت الفوضى لتلتهم جزءًا من هذه المساحات الجديدة حيث محلات تتجاوز حدودها، وكافيهات تتمدد على الأرصفة وسيارات تتخذ من نهر الطريق مساحة للانتظار وأحيانًا تصطف في أكثر من صف حتى يتحول الطريق الذي أنفقت الدولة ملايين الجنيهات لتوسيعه إلى طريق ضيق مرة أخرى.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد قطع شجرة ، فالتطوير الذي لا تصاحبه رقابة حقيقية وتنظيم مستمر وحسم للتعديات يفقد جزءًا من فلسفته لأن الطريق لا يتسع فقط بإزالة الأشجار أو هدم الأرصفة القديمة وإنما يتسع عندما تظل المساحة التي أضيفت إليه مخصصة بالفعل لحركة الناس والسيارات.
ولعل ما يثير ضيق الناس ليس فقط اختفاء الأشجار وإنما المفارقة التي يرونها بأعينهم: أشجار تُقطع باسم تطوير الطريق، ثم تذهب المساحات التي جرى توفيرها إلى التعديات والمخالفات والانتظار العشوائي، فيبدو الأمر وكأن المدينة دفعت ثمنًا من جمالها دون أن تحصل في النهاية على كل ما وعدها به التطوير.
نحن في حاجة إلى طرق أفضل ومحاور أكثر كفاءة وسيولة مرورية تحسن حياة الناس، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكننا في الوقت نفسه في حاجة إلى مدينة لا تتحول تدريجيًا إلى كتل من الأسفلت والخرسانة بلا ظل ولا روح !
فالجمال ليس رفاهية يمكن التضحية به كلما بدأ مشروع جديد، والشجرة التي تنمو لعشرات السنين لا يمكن تعويضها بمجرد غرس شتلة صغيرة في اليوم التالي ، وإذا كان التطوير ضرورة، فإن الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من جمال المدينة يجب أن يكون جزءًا من هذه الضرورة.
والأهم أن نحافظ على القاهرة التي لا تعيش فقط في الخرائط ومخططات الطرق وإنما في ذاكرة أهلها ، فهناك فارق بين أن نطور مدينة وأن نعيد تشكيلها حتى تفقد شخصيتها وبين أن نجعل القاهرة أكثر قدرة على الحركة وأن نجعلها أقل قدرة على أن تكون القاهرة التي نعرفها !
اغتيال الجمال ليس مجرد قطع شجرة وإنما قطع جزء من ذاكرة المدينة.. والقاهرة لا تحتاج إلى أن نخنق زحامها فنخنق معها روحها







