قضية طرد تكشف المجتمع حين يموت الإنسان في صمت.. ولا يكتشف أحد غيابه
- ليست كل الجرائم التي تهز المجتمع تلك التي يرتكبها قاتل، وليست كل المآسي التي تستحق التحقيق هي التي تقف وراءها شبهة جنائية
- أحيانًا تكون الجريمة الحقيقية هي جريمة الصمت، وجريمة الغياب، وجريمة مجتمع اعتاد أن ينشغل بكل شيء إلا الإنسان
- واقعة العثور على جثمان شقيقة وزير سابق داخل شقتها، بعد مرور نحو ثلاث سنوات على وفاتها، وفق ما تداولته الأخبار، ليست مجرد حادثة غريبة أو خبر مثير تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي
بقلم الإعلامي خالد سالم
ليست كل الجرائم التي تهز المجتمع تلك التي يرتكبها قاتل، وليست كل المآسي التي تستحق التحقيق هي التي تقف وراءها شبهة جنائية. أحيانًا تكون الجريمة الحقيقية هي جريمة الصمت، وجريمة الغياب، وجريمة مجتمع اعتاد أن ينشغل بكل شيء إلا الإنسان.
واقعة العثور على جثمان شقيقة وزير سابق داخل شقتها، بعد مرور نحو ثلاث سنوات على وفاتها، وفق ما تداولته الأخبار، ليست مجرد حادثة غريبة أو خبر مثير تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي. إنها قضية إنسانية واجتماعية مؤلمة، تضعنا جميعًا أمام سؤال مخيف: كيف يمكن لإنسانة أن تموت داخل منزلها، وتظل جثتها هناك كل هذه السنوات، دون أن يفتقدها أحد؟
ثلاث سنوات من الغياب.. وثلاث سنوات من الأسئلة.
تشير المعلومات المتداولة إلى أن السيدة عانت من حالة اكتئاب وعزلة شديدة عقب وفاة زوجها، وأنها انقطعت عن التواصل مع المحيطين بها، حتى انتهى بها الأمر إلى الموت داخل شقتها، دون أن يكتشف أحد غيابها طوال تلك المدة.
قد تكون هناك تفاصيل أخرى لم تُكشف بعد، وقد تكشف التحقيقات عن ملابسات مختلفة، لكن المؤكد أن الواقعة تفتح جرحًا عميقًا في جسد المجتمع، وتكشف عن أزمة لا يمكن اختزالها في حادثة فردية.
أين اختفى الجيران؟ وأين ذهبت صلة الرحم؟
في مجتمعنا المصري، طالما تغنينا بقيم الجيرة، وصلة الرحم، والتكافل، والوقوف بجانب المحتاج والمريض. كانت البيوت مفتوحة، وكان الجار يعرف أخبار جاره، وكانت الغيبة الطويلة تستدعي السؤال والاطمئنان.
فماذا حدث لتلك القيم؟
هل أصبحنا نعيش في جزر منفصلة، لكل منا عالمه المغلق، حتى بات من الممكن أن يموت إنسان بجوارنا دون أن نشعر؟
إن السؤال لا يتعلق فقط بالجيران، بل يمتد إلى الأسرة والأصدقاء والأقارب، وإلى كل من كان يمكن أن يلاحظ هذا الغياب ويسأل عنه.
لكن علينا أيضًا أن نكون منصفين؛ فليس كل غياب دليلًا على الإهمال، وليس كل شخص يعيش بمفرده بالضرورة ضحية مجتمع قاسٍ. غير أن غياب السؤال والمتابعة لفترة طويلة يفرض علينا مراجعة علاقاتنا الإنسانية، والبحث عن وسائل تمنع تكرار مثل هذه المآسي.
الاكتئاب ليس رفاهية.. والعزلة ليست اختيارًا دائمًا.
من أخطر ما تكشفه هذه الواقعة أن الإنسان قد ينسحب من الحياة تدريجيًا، دون أن يلاحظ المحيطون به حجم الألم الذي يعيشه.
وفاة الزوج، وفقدان الشريك، والشعور بالوحدة، كلها عوامل قد تدفع الإنسان إلى الانغلاق على نفسه. وقد تتحول العزلة إلى دائرة مغلقة يصعب الخروج منها، خصوصًا عندما يغيب الدعم النفسي والاجتماعي.
وهنا يجب أن نتوقف أمام قضية الصحة النفسية، التي ما زالت في كثير من الأحيان محاطة بالصمت والوصمة الاجتماعية.
كم من إنسان يعيش بيننا ويبتسم أمام الآخرين، بينما يعاني داخليًا من ألم لا يستطيع التعبير عنه؟
وكم من شخص يرفض طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع، أو اعتقادًا بأن مشكلته لا تستحق الاهتمام؟
إن الاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية واجتماعية. ومن واجب الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية أن توفر الدعم، وأن تتعامل مع الاكتئاب باعتباره مشكلة تستحق الفهم والعلاج، لا مجرد حالة من الحزن العابر.
هل أصبحنا نرى الإنسان من خلال مكانته؟
ربما كانت الصدمة الأكبر لدى البعض أن المتوفاة شقيقة وزير سابق.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل كان وقع الحادث سيختلف لو كانت السيدة مواطنة بسيطة لا ترتبط بشخصية عامة؟
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بمنصبه أو اسم عائلته أو مكانته الاجتماعية. فكل إنسان يستحق أن يُفتقد، وأن يُسأل عنه، وأن يحظى بكرامة الحياة والموت.
ولا ينبغي أن تتحول الواقعة إلى مناسبة للحديث عن مكانة المتوفاة أو أسرتها، بل يجب أن تكون مناسبة للتفكير في آلاف الأشخاص الذين يعيشون وحدهم، بعيدًا عن الأضواء، ولا يجدون من يسأل عنهم.
المجتمع الذي لا يسأل عن غائب.. قد لا يسمع صرخة حاضر.
إن القضية ليست قضية سيدة ماتت وحدها فحسب، وإنما قضية مجتمع يحتاج إلى استعادة إنسانيته في تفاصيل الحياة اليومية.
نحتاج إلى ثقافة السؤال عن الغائب، وإلى مبادرات اجتماعية لرعاية كبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، وإلى دور أكثر فاعلية للمؤسسات المحلية والجمعيات الأهلية.
نحتاج إلى أن يتحول السؤال البسيط: «أين فلان؟ ولماذا لم نره؟» إلى سلوك طبيعي، لا إلى تدخل في خصوصية الآخرين.
فالخصوصية حق أصيل، لكن الاهتمام الإنساني لا يتعارض معها. ويمكن أن نسأل ونطمئن دون اقتحام حياة أحد أو انتهاك حريته.
كما أن مسؤولية الوقاية من العزلة الشديدة لا تقع على الجيران وحدهم، بل تتطلب تعاون الأسرة والمجتمع ومؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية.
أخيرًا.. ليست القضية جثمانًا اكتُشف بعد ثلاث سنوات، بل إنسان غاب عن الحياة ولم يكتشف أحد غيابه.
إن هذه الواقعة يجب ألا تنتهي بانتهاء التحقيقات، أو بانطفاء موجة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي.
يجب أن تتحول إلى جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وإعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية التي تآكلت تحت ضغوط الحياة، والانشغال بالمصالح، والبحث المستمر عن المال والمكانة والنجاح.
فما قيمة أن نمتلك المنازل الفاخرة، ونعيش في أحياء راقية، ونحيط أنفسنا بكل وسائل الراحة، بينما قد يموت إنسان على بعد خطوات منا دون أن يشعر أحد؟
إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يحققه من تقدم اقتصادي أو عمراني، وإنما بما يقدمه من حماية لكرامة الإنسان، وبقدرته على احتضان الضعفاء، ورعاية المنعزلين، وعدم ترك أحد يواجه نهايته وحيدًا.
ربما ماتت هذه السيدة منذ سنوات، لكن قصتها ما زالت حية، لأنها تطرح سؤالًا يجب ألا يموت: من يسأل عن الإنسان حين يغيب الجميع؟
الإعلامي
خالد سالم






