الحيشان الثلاثة
- على ذِكر الحيشان الثلاثة، لا بد أن نستدعي سِفر المحبة القديم لمدينة أمدرمان، وأن نُردد مع شاعرها الفذ سيف الدين الدسوقي أناشيد العشق التي كتبها في حضرة “ست الحسان”، المدينة التي لم تكن مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وطن، وملاذ شعب، وقلعة صمود لا تنكسر
- أمدرمان التي واجهت المستعمر بالأمس، عادت في حاضرنا القريب لتقف شامخة في وجه عصابات الجنجويد، وكأن التاريخ يُعيد كتابة كرري بروح جديدة
- هناك، كانت الأرض تحفظ خطى الرجال الذين خا
مرفأ الكلمات
عثمان عولي
على ذِكر الحيشان الثلاثة، لا بد أن نستدعي سِفر المحبة القديم لمدينة أمدرمان، وأن نُردد مع شاعرها الفذ سيف الدين الدسوقي أناشيد العشق التي كتبها في حضرة “ست الحسان”، المدينة التي لم تكن مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وطن، وملاذ شعب، وقلعة صمود لا تنكسر.
أمدرمان التي واجهت المستعمر بالأمس، عادت في حاضرنا القريب لتقف شامخة في وجه عصابات الجنجويد، وكأن التاريخ يُعيد كتابة كرري بروح جديدة. هناك، كانت الأرض تحفظ خطى الرجال الذين خاطوا اللهيب بأيديهم، وكانت المعارك تُخاض بالسلاح تارة، وبالكلمة والصورة تارة أخرى.
ولأن الإذاعة والتلفزيون ليسا مجرد مؤسسات، بل وجدان وطن كامل، فقد كانت معارك الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون من أعنف وأشرس المعارك. كانت الحرب تدور حول الوعي كما تدور حول الأرض، وكان الصوت الحر ينطلق من عطبرة مدينة الحديد والنار، حاملاً أخبار الوطن إلى قلوب السودانيين، بينما كانت الصورة تأتي من بورتسودان، الثغر الباسم والبوابة الاقتصادية، ليظل السودان ملتفاً حول وطنه صوتاً وصورة، رغم الجراح.
أما الحيشان الثلاثة في أمدرمان؛ الإذاعة، والتلفزيون، والمسرح، فلم تكن مجرد مبانٍ، بل بيوتاً للثقافة والإبداع والإعلام، وأماكن تسكنها الأرواح قبل الأجساد. العاملون هناك كانوا يعتصرهم الألم والحزن وهم يرون دورهم تُغتصب، وذكرياتهم تُبعثر، لكنهم ظلوا أوفياء للمهنة والوطن حتى لحظة التحرير.
وحين عاد الأمل، تنفسوا الصعداء، وعادت الروح إلى أجسادهم، رغم تشتتهم في بقاع السودان ومنافي الهجرة ومعسكرات الإيواء. غير أن الحنين ظل أكبر من المسافات، لأن الحيشان بالنسبة لهم لم تكن مكان عمل، بل وطنًا صغيرًا يسكن القلب.
وفي خضم تلك الأيام الثقيلة، كان للتراحم الإنساني وجهٌ مضيء. ظلت الإدارة، وعلى رأسها الأستاذ الراقي البزعي، ومعه نفر كريم من الزملاء أمثال عبدالمجيد، ومحجوب، وعفاف، وعاطف، وآخرين لا تسع المساحة لذكرهم، يسعون لتوفير معينات الحياة ومساندة زملائهم الذين لم يعتادوا قسوة النزوح ولا مرارة الفقد. كانوا سنداً حقيقياً في زمنٍ عزّ فيه السند.
يا موطناً سكنتْ به الأرواحُ وانسكبتْ
في ساحِهِ الكَلِمُ الغرّاءُ والأدبُ
يا إذاعةَ الشعبِ، يا نبضاً نُعلِّقُهُ
على المدى، فإذا السودانُ يقتربُ
ويا تلفازَنا العاتي بوجهِ الأسى
ما لانَ يوماً، ولا خانتهُ الحِقَبُ
كم مرَّ فوقَ جدارِ الحزنِ مُتّشحاً
بالصبرِ، لكنّهُ بالصوتِ ينتصرُ
كانتْ حروفُكمُ في الحربِ مشرعةً
كأنها الضوءُ لا تُثنيهِمُ النُّوَبُ
وكانَ وجهُ الوطنِ الجريحِ على
شاشتكمْ قمراً، بالصدقِ يلتهبُ
أما الذينَ سقوا إخوانهمْ أملاً
فاللهُ يعلمُ كمْ في فعلهمْ ذهبُ
البزعي… ذلكَ الإنسانُ ما انطفأتْ
في قلبهِ نخوةٌ، أو غابَ مُحتسبُ
يمضي كأنَّ بهِ للوُدِّ قافلةً
وفي يديهِ لأهلِ الضيقِ مُتَّسعُ
وعبدُالمجيدِ، ما ضاقتْ مروءتُهُ
يوماً، ولا خابَ في المعروفِ مُغتربُ
يمشي وفي راحتيهِ الخيرُ مُبتسمٌ
كأنّهُ المطرُ الهتّانُ والسُّحُبُ
ومحجوبُ، النبلُ الموشى بسيرتِهِ
إذا تكلّمَ قالَ الصدقَ والأدبُ
وعفّافُ… يا زهرةً فاحتْ مآثرُها
في كلِّ دربٍ بهِ للمُعسرينَ كربُ
وعاطفةُ القلبِ، كمْ كانتْ مُواساتُها
بلسماً حينَ عزَّ الدربُ والتعبُ
أولئكَ النفرُ الذينَ إذا ذُكروا
أضاءَ في ذاكرةِ الأيامِ مُنقلبُ
همْ إخوةُ الروحِ، لا الأسماءُ تجمعهمْ
لكنْ يجمعهمْ في اللهِ مُقتربُ
فاللهمَّ اكتبْ لهمْ خيرَ الجزاءِ بما
قدَّموا، فأنتَ بالإحسانِ تحتسبُ
واجمعْ بهمْ صحبَنا في الحيشانِ مبتسمين
كما التقينا… وكما تهوى بنا القُرُبُ.
كنا نُصدق النوايا الطيبة، وكانت الدعوات تخرج من القلوب خالصة:
أن يفتح الله عليهم أبواب الخير، وأن يجزيهم عن الناس والوطن خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
وإن كانت لنا من كلمة أخيرة، فهي دعاء صادق يخرج من أعماق المحبة:
اللهم اجمعنا بهم في الدنيا داخل الحيشان،
وفي الجنة بعد الممات.






