أيام خالدة في مصر
- بيني وبين مصر العزيزة قصة عمر طويلة، زرتها ـ لأول مرة ـ أواخر عام 1983م، طلبا للدراسة، حيث نهلت منها العلم في إحدى أعرق جامعاتها، وهي جامعة الزقازيق، وتلك حكاية أخرى، ذاك زمان، وتلك أيام لن يجود الزمان بمثلها
- كانت تلك بداية تعلقي بمصر البلد والناس، ففي كل مرة كنت أزور فيها عاصمتها القاهرة، كانت القاهرة على وجه الخصوص وبقية المدن المصرية، وعلى رأسها الإسكندرية على وجه العموم، تتطور بط
بدايات
د. الفاتح كامل
رئيس تحرير مجلة (النخبة الرائدة)
بيني وبين مصر العزيزة قصة عمر طويلة، زرتها ـ لأول مرة ـ أواخر عام 1983م، طلبا للدراسة، حيث نهلت منها العلم في إحدى أعرق جامعاتها، وهي جامعة الزقازيق، وتلك حكاية أخرى، ذاك زمان، وتلك أيام لن يجود الزمان بمثلها.
كانت تلك بداية تعلقي بمصر البلد والناس، ففي كل مرة كنت أزور فيها عاصمتها القاهرة، كانت القاهرة على وجه الخصوص وبقية المدن المصرية، وعلى رأسها الإسكندرية على وجه العموم، تتطور بطريقتها الخاصة، وبالفهم المصري الصميم الذي يرتكز على قاعدة حضارية راسخة، فمع تزايد سكان القاهرة أنفسهم، القاهرة التي احتضنت بجانب سكانها، كل من وفدوا إليها من بلاد الشام وفلسطين والعراق واليمن والسودان والصومال، وغيرهم من بلاد الله الواسعة.
كانت القاهرة تفتح أبوابها لكل هؤلاء دون من ولا أذى، بل، وتحتضنهم في الفة قل نظيرها في العالم أجمع، كما تحضن الحمامة زغب صغارها بعاطفة صادقة لا تشوبها شائبة، وهكذا كانت، وستظل المدينة التي تشربت في هدوء إرث العالم الحضاري كله في مراحل مختلفة من عمر حياتها المُضيء المُفعم بالأصول التي يتوارثها جيل بعد جيل، وهو بالمناسبة، والشيء بالشيء يذكر، أيضا ما فعلته الرياض مع أهل السودان في مراحل مختلفة من تاريخها العامر بالعطاء العربي الأصيل الراسخ في دماء أهلها الأكارم، مدينة الرياض الزاهرة بالمملكة العربية السعودية العزيزة، وهكذا ديدن المدن العظيمة الراسخة، وهو أيضا إحقاقا للحق ما فعلته عواصم عربية وأفريقية وعالمية أخرى نتحدث عنها في مقبل الأيام إن أذن الله تعالى.
تستيقظ مدينة القاهرة باكرا على ضجيج عربات الفول المصري الشهي، ولا تنام إلا، وهي تسلم اليوم لليوم التالي في مقاهيها الشهيرة، التي تصدح بصوت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، في لياليها العامرة الزاخرة بالثقافة والأدب والفن والرياضة، وتلك هي القصة التي توارثتها مصر جيلا إثر جيل، وهي الحكاية الممتدة إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها.
ففي مدينة القَاهِرَة، وهي عاصمة جمهورية مصر العربية وأكبر وأهم مدنها، وتعد أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان والمساحة، وتحتل المركز الثاني أفريقيًا، والسابع عشر عالميًا من حيث التعداد السكاني، كما أنها جزء من أكبر تجمع حضري في أفريقيا والوطن العربي والشرق الأوسط. حيث تعد منطقة القاهرة الكبرى الثانية عشرة من حيث عدد السكان في العالم حيث يبلغ عدد سكانها 21,322,750 مليون نسمة حسب إحصائيات عام 2021. يمثلون 20% من إجمالي تعداد سكان مصر أكثر من (107 ملايين نسمة) حينها، أما الآن فيتجاوز عدد السكان في مصر (119 ملايين نسمة).
في مدينة القاهرة، وفي المقر الفخم الشاهق لنقابة الصحفيين المصريين بمنطقة رمسيس العريقة، حيث تأسست نقابة الصحفيين المصريين في 31 مارس من العام 1941 بصدور القانون رقم 10 لسنة 1941 الذي تقدم به رئيس الوزراء المصري الأسبق على ماهر إلى مجلس النواب، والذي كان يتضمن مشروع إنشاء نقابة للصحفيين في مصر. وقد توج هذا القانون نضال عدد من الآباء المؤسسين لمهنة الصحافة، الذين شكلوا أول نقابة تحت التأسيس في العام 1912، على يد عدد من أصحاب الصحف القومية، وقد انتخب في الجمعية العمومية الأولى، مسيو «كانيفيه» صاحب جريدة «لاريفورم» بالإسكندرية نقيبًا، وفارس نمر وأحمد لطفي السيد، وكيلين، وتتوالى السنوات على هذه النقابة الأكثر عراقة في سائر منطقتنا،

حتى نصل لدورة المجلس في عام (1995) برئاسة النقيب / إبراهيم نافع – حينما وضع ضمن أولوياته تنفيذ مشروع إقامة مبنى جديد لنقابة الصحفيين المصريين يلبي الاحتياجات المتزايدة للأنشطة الصحفية، وحصل ـ بالفعل ـ على دعم مبدئي من الدولة في ذلك الوقت بلغ 10 ملايين جنيه، ووُضع حجر الأساس في 10 يونيو 1997 خلال الاحتفال بيوم الصحفي، وفي عام (1998) وقع مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين عقد بناء المبنى مع الإدارة الهندسية للقوات المسلحة. وقد انتهى العمل تماما بالمبنى، وأثث، ثم الانتقال إليه في يوليو 2002م، وعظمة المبنى تتحدث عن عراقة مهنة الصحافة في بلد الثقافة مصر.
في مبنى نقابة الصحفيين المصريين التقيت بالصحافي والإعلامي القدير الأستاذ علاء الدين الساوي، وهو صحافي مطبوع لمن لم يعرفه، ورئيس مجلس إدارة موقع (التنمية العالمية) الرصين، ورئيس تحرير صحيفة (المحور الدولي) الغراء، وهو إنسان لا يزايد عليه في عروبته عامة، ومحبته لأهل السودان خاصة.
في اليوم التالي، وفي مقر اتحاد كتاب مصر، التقيت بالكاتبة المصرية القديرة الأستاذة نسرين معتوق، برفقة الكاتب السوداني الكبير الأستاذ كمال باشري، وقد تناولنا أمورا شتى تنوعت بين العام الصحافي وبين ما يخص مجلة النخبة الرائدة. ويعد اتحاد كتاب مصر، نقابة للكتاب تقع في شارع حسن صبري بمنطقة الزمالك بمحافظة القاهرة في مصر. الاتحاد يضم نخبة المبدعين المصريين، حيث أسسه الأديب المصري الكبير يوسف السباعي في السبعينيات من القرن الماضي، وضم نخبة المبدعين نجيب محفوظ والكاتب محمد عبد الحليم عبد الله والكاتب إحسان عبد القدوس والشاعر أحمد رامي والناقد رجاء النقاش والكاتب ثروت أباظة والكاتب فكري أباظة والكاتب أحمد على باكثير والكاتب عبد الحميد جودة السحار والكاتب أمين يوسف غراب، وغيرهم من كبار الكتاب. ومن أبرز رؤساء الاتحاد السابقين الأديب توفيق الحكيم، الأديب يوسف السباعي، الأديب ثروت أباظة، الكاتب محمد سلماوي، ويعد الأديب المصري الأشهر الروائي نجيب محفوظ رئيس الاتحاد بصفة شرفية. والرئيس الحالي للاتحاد هو الشاعر علاء عبد الهادي، ومن أبرز أعضائه الحاليين من كبار أدباء وكتاب مصر، أحمد عبد المعطي حجازي، أحمد رشاد حسانين، فاروق شوشة، جمال الغيطاني، أحمد الشيخ، محمد عفيفي مطر، عبد الغنى مصطفى عبد الغني، عبد اللطيف مبارك، محمد جبريل، بهاء طاهر، يوسف القعيد، خيري شلبي، محمد البساطي، محمد الجوادي، مصطفى رجب، محمود قرني، مصطفى الأسمر.
وللحقيقة والتاريخ، كتب أهل السودان عن مصر بعد المحنة التي ألمت بهم مؤخرا بلسان شاعر الفنان إسماعيل حسب الدائم “حنينه ما بتجافي، مصر الذهب الصافي”
في طريقي لمدينة إسكندرية عبر الطريق الزراعي الشاسع، ومن خلال بساتين الفاكهة التي تنتشر على مد البصر، كان لساني يلهج بقول أهلها الشائع: (عمار يا مصر)، ولساني يردد القصيدة الشهيرة، قصيدة مصر المؤمّنة للشيخ السوداني عبد الرحيم البرعي ـ رحمه الله ـ
“يا صاحِ، هِمَّنا لزيارة أمنا مصر المؤمّنة بأهـل الله”
في إسكندرية عشت أجمل أيام، وفي شواطئها الرحبة، عرفت عظمة الإنسان المصري الذي أسس بلاده في صمت، ومحبة واضحة، في الشواطئ كانت الأعداد المهولة لطالبي السياحة والاستجمام، تشير بطرف خفي أين تكمن عظمة مصر … في الإنسان ولا شيء غيره …
على طوال الشط الهائج المائج بمياه البحر الأبيض المتوسط، والنشوة تسري بلساني، كنت أترنم برائعة الأخوين رحباني شط إسكندرية، والتي تغنت بها السيدة فيروز، وأينعت في الزهر روضة، وأشرقت…
شط إسكندرية يا شط الهوى
رحنا إسكندرية رمانا الهوى
يا دنيا هنية، وليالٍ رضية
أحملها بعينيه شط إسكندرية
البحر ورياحه، والفلك الغريب
يحملها جراحه ويرحل في المغيب
يتمهل شوية، ويودع شوية
وتعانق المية شط إسكندرية
ليالي مشيتك يا شط الغرام
وإن أنا نسيتك ينساني المنام
والشاهد عليه غنوة أماريه
والنسمة البحرية، وشط إسكندرية
خرجت من مدينة إسكندرية، وفي عقلي الباطن، وخارج لا وعيي كنت أردد الرائعة الخالدة لشاعرنا السوداني الفذ تاج السر الحسن، والتي قام العملاق الدكتور عبد الكريم الكابلي بتلحينها، وأداء كلماتها المعبرة الباهرة في أول مؤتمر لدول عدم الانحياز حينما كانت الدنيا بخيرها، وتم تسجيلها وتوثيقها ووضعها في متحف باندونغ الشهير، وأشاد بها الزعيم المصري جمال عبد الناصر.
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضا عذبة النبع وريقة
يا حقيقة
مصر يا أم جمال وأم صابر
ملء روحي أنت يا أخت بلادي
فلنجتث من الوادي الأعادي
فلقد مدت لنا الأيدي الصديقة
وجه غاندي وصدى الهند العميقة
صوت طاغور المغني
بجناحين من الشعر على روضة فن
يا دمشق كلنا في الفجر والآمال شرق
ذاك زمان … ذاك زمان …

* كل الصور المرافقة خاصة بمجلة “النخبة الرائدة







