أنيميا الوعي في زمن الشاشات.. مقال للنقاش.
- الخرافة تنتشر أسرع من الحقيقة، والجهل أحيانًا يحصد مشاهدات أكثر من العلم!
- كيف تحوّل “الترند” إلى سلاح يهزم الوعي ويزرع الشك في كل شيء؟
- في زمن لم تعد فيه الحقيقة وحدها كافية للإقناع أصبح الشك أسلوب حياة لدى كثيرين، وصارت الخرافة أكثر قدرة على الانتشار من المنطق، والادعاء أسرع وصولًا من المعرفة ولم يعد الأمر يقتصر على الحكايات القديمة أو الأساطير الشعبية التي كان الناس يتداولونها ل
الخرافة تنتشر أسرع من الحقيقة، والجهل أحيانًا يحصد مشاهدات أكثر من العلم!
كيف تحوّل “الترند” إلى سلاح يهزم الوعي ويزرع الشك في كل شيء؟
=====
محمد يوسف العزيزي يكتب:
أنيميا الوعي في زمن الشاشات!
في زمن لم تعد فيه الحقيقة وحدها كافية للإقناع أصبح الشك أسلوب حياة لدى كثيرين، وصارت الخرافة أكثر قدرة على الانتشار من المنطق، والادعاء أسرع وصولًا من المعرفة ولم يعد الأمر يقتصر على الحكايات القديمة أو الأساطير الشعبية التي كان الناس يتداولونها للتسلية بل امتد الأمر إلى الدين والطعام والشراب والدواء والتاريخ، وحتى الوقائع التي عشناها بأعيننا منذ سنوات قليلة!
دخل المجتمع في دوامة من الريبة حتى بدا وكأن كل شيء أصبح محل شك، وكأن هناك من يدفع الناس دفعًا إلى فقدان الثقة في كل ما حولهم!
هذه الأيام نعيش حالة واضحة من التشتت الفكري، وأصبح كثيرون يشككون في مسلمات كانت راسخة.. ليس بحثًا عن الحقيقة بقدر ما هو انجذاب إلى الإثارة أو الرغبة في هدم كل ثابت، ومع الوقت فقد الناس كثيرًا من الهدوء النفسي وراحة البال لأنهم أصبحوا محاصرين يوميًا بسيل من المعلومات المتناقضة والآراء المتضاربة، حتى اختلطت الحقيقة بالوهم، والعلم بالتخمين، وأصبح التمييز بين الصحيح والخاطئ مهمة مرهقة، ومعاناة تصل بصاحبها إلي الإحباط واليأس.
ولا يمكن فصل هذه الحالة عن الدور الكبير الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت لدى البعض إلى ساحة مفتوحة للكسب السريع والثراء بأي وسيلة بعد أن ظهرت تطبيقات ومنصات تكافئ الضجيج أكثر مما تكافئ القيمة، وتمنح الشهرة لمن يثير الجدل لا لمن يقدم المعرفة!
صار الكثير من الناس يستهلكون تلك الفوضى الذهنية يوميا، بينما يتحدث أشخاص لا يملكون علمًا أو تخصصًا في الطب والدواء والعلاج، وينتقل آخرون بسهولة من التحليل السياسي والعسكري وفنون الحرب ومشاكل الأسرة وأسرار العلاقات الزوجية إلى الإفتاء في الدين والحلال والحرام، وكأن المعرفة لم تعد تحتاج إلى دراسة أو خبرة، بل مجرد هاتف وكاميرا وعدد من المتابعين!
وفي المقابل اختار البعض تحويل تفاصيل حياته الخاصة إلى سلعة للمشاهدة فخرجت أسرار البيوت إلى العلن وتحولت الخصوصية إلى مادة لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح، وانتشرت أنواع من المحتوى السطحي الذي يكشف عن جهل أو استخفاف بالعقول أو مجرد سعي محموم وراء “الترند”، حتى لو جاء ذلك على حساب الذوق العام والقيم الاجتماعية واحترام خصوصية الآخرين!
لكن السؤال الأهم يبقى حاضرا وبقوة : هل اخترع الإنسان التكنولوجيا لهذا الاستخدام؟ بالتأكيد لا ، فهذه التكنولوجيا جاءت لتخدم البشرية وتسهل حياة الناس وتفتح آفاقًا واسعة للتعلم والمعرفة والتواصل الإيجابي.. لكنها مثل أي أداة مؤثرة تحتاج إلى حد أدنى من الوعي في استخدامها مع إدراك حقيقي للفارق بين الاستفادة منها وبين الوقوع في أسرها، وبين حرية التعبير، وبين الفوضى التي تخلط كل شيء ببعضه.
والأخطر من ذلك أن هذه الحالة أبعدت الناس عن قضاياهم الحقيقية وصرفت الانتباه عن مناقشة الملفات الأكثر أهمية للمجتمع والدولة.. انشغل كثيرون بمعارك وهمية وجدالات لا تنتهي ومحتوى يستهلك الوقت والعقل معًا ، بينما تراجعت مساحات التفكير الجاد والنقاش الحقيقي .
ما يواجهنا اليوم ليس مجرد أزمة محتوى رديء أو استخدام خاطئ للتكنولوجيا، بل أزمة وعي حقيقية. ما يواجهنا معركة ضد مرض خفي يتسلل إلى المجتمعات ببطء هو “أنيميا الوعي، وإدمان تكنولوجيا تشتيت الانتباه وتغييب العقل. ” وإذا لم ننتبه مبكرًا، فقد نجد أنفسنا أمام أجيال تعرف كل شيء على الشاشات، لكنها فقدت القدرة على فهم أي شيء في الواقع وهنا بيت الداء ومكمن الخطر!






