القوة الحقيقية لا تكمن في كبت المشاعر
- ترسّخت في الأذهان صورة مثالية للإنسان القوي، شخص لا يهتز، يبتسم في وجه الأزمات، ويتجاوز الصعوبات بسرعة دون أن يُظهر ضعفًا، لكن علم النفس الحديث يعيد تعريف هذه الصورة، مؤكدًا أن القوة الحقيقية لا تكمن في كبت المشاعر، بل في القدرة على مواجهتها وفهمها ثم النهوض بعدها بوعي واتزان
- ارتبطت المرونة النفسية بفكرة الصلابة المطلقة
- أي القدرة على التماسك أمام الضغوط وكأن المشاعر لا تؤثر في صاحبها، غير أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا التصور بعيد عن ال
ترسّخت في الأذهان صورة مثالية للإنسان القوي، شخص لا يهتز، يبتسم في وجه الأزمات، ويتجاوز الصعوبات بسرعة دون أن يُظهر ضعفًا، لكن علم النفس الحديث يعيد تعريف هذه الصورة، مؤكدًا أن القوة الحقيقية لا تكمن في كبت المشاعر، بل في القدرة على مواجهتها وفهمها ثم النهوض بعدها بوعي واتزان.
ارتبطت المرونة النفسية بفكرة الصلابة المطلقة؛ أي القدرة على التماسك أمام الضغوط وكأن المشاعر لا تؤثر في صاحبها، غير أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا التصور بعيد عن الواقع، بل وقد يكون مضللًا.
توضح الأبحاث أن الأشخاص الأكثر مرونة ليسوا أولئك الذين يتجاهلون مشاعرهم أو يقمعونها، بل من يسمحون لأنفسهم باختبارها بعمق، حتى لو كان ذلك في لحظات ضعف خاصة، قد ينهارون في لحظة، لكنهم يملكون القدرة على استعادة توازنهم والوقوف مجددًا في اليوم التالي. هذه ليست هشاشة، بل شكل مختلف من القوة الداخلية.
كما أن مفهوم “التماسك الدائم” المتجذر في بعض أساليب التربية التقليدية قد يدفع الأفراد إلى كبت مشاعرهم، ظنًا منهم أن ذلك دليل قوة، لكن الواقع العلمي يشير إلى أن هذا الكبت قد يكون مصدرًا للمشكلة، إذ يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية والجسدية مع الوقت.
وتؤكد دراسات علمية أن قمع المشاعر بشكل مستمر قد يزيد من حدة التوتر داخل الجسم، ويؤثر على التوازن الفسيولوجي، ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والجسدية.
كما يرتبط هذا السلوك بارتفاع مستويات المشاعر السلبية، وانخفاض الشعور بالرضا، وتراجع القدرة على التكيف الاجتماعي.
في المقابل، أظهرت أبحاث أجريت على مئات الأشخاص أن تقبّل المشاعر السلبية بدل مقاومتها يرتبط بتحسن الصحة النفسية وزيادة الشعور بالرفاهية، فالأفراد الذين يتعاملون مع مشاعرهم بوعي ومرونة يكونون أقل عرضة للاضطرابات النفسية على المدى الطويل.
ولا يُعد التعبير عن المشاعر أو “الانهيار الهادئ” علامة ضعف، بل وسيلة صحية لتفريغ الضغوط بشكل منظم وآمن، فإتاحة مساحة خاصة للتعبير عن الألم تساعد على منع تراكمه وتحوله إلى عبء يصعب السيطرة عليه.
ومن المهم التمييز بين معالجة المشاعر والاستسلام لها؛ فالأشخاص المرنون لا يغرقون في الحزن، بل يمرون به ثم يتركونه، إنهم يعيشون التجربة العاطفية بوعي، ثم يمضون قدمًا دون أن يسمحوا لها بالسيطرة على حياتهم.
في النهاية، تؤكد الدراسات أن المرونة النفسية ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان، بل مهارة يمكن تطويرها مع الوقت، وهي لا تعني إنكار الألم، بل القدرة على احتوائه والتعافي منه، دون أن يفقد الإنسان توازنه أو إنسانيته.





