هل ضاعت أخلاق المجتمع وموروثات السودان؟
- لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى إعلام مفتوح بلا حدود، ينقل ما يحدث في لحظته إلى جمهور واسع، حتى أصبح العالم بالفعل قرية صغيرة، وأصبح كل ما يُقال أو يُفعل قابلاً للانتشار في ثوانٍ معدودة
- وبالأمس القريب، وبينما كنت أقلب هاتفي بين عدد من منصات التواصل الاجتماعي، استوقفتني مشادة كلامية وملاسنات بين امرأتين سودانيتين، لم يكن ما دار بينهما مجرد خلاف عابر يمكن أن ينتهي ف
مرفأ الكلمات
عثمان عولي
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى إعلام مفتوح بلا حدود، ينقل ما يحدث في لحظته إلى جمهور واسع، حتى أصبح العالم بالفعل قرية صغيرة، وأصبح كل ما يُقال أو يُفعل قابلاً للانتشار في ثوانٍ معدودة.
وبالأمس القريب، وبينما كنت أقلب هاتفي بين عدد من منصات التواصل الاجتماعي، استوقفتني مشادة كلامية وملاسنات بين امرأتين سودانيتين، لم يكن ما دار بينهما مجرد خلاف عابر يمكن أن ينتهي في حدود المكان، وإنما تحول إلى مادة مصورة ومكشوفة أمام جمهور واسع.
والحقيقة أنني كثيراً ما أسمع من الناس عن مثل هذه الوقائع، وأحياناً أتعمد غض البصر عن المشاهدة، وإمساك السمع عن تفاصيل ما يدور، ليس لأنني لا أريد أن أعرف ما يحدث في مجتمعنا، وإنما لأن بعض المشاهد أصبحت مؤلمة إلى درجة تجعل الإنسان يتساءل: إلى أين نحن ذاهبون؟
لكن ما استوقفني هذه المرة لم يكن مجرد الخلاف، وإنما تلك البداية التي حملت في طياتها خطاباً قبلياً بغيضاً، يفتح أبواب الجهوية، ويصب الزيت على نار الفتنة، ويحوّل خلافاً شخصياً إلى إساءة لمكونات اجتماعية بأكملها.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسودان لم يكن يوماً مجرد جغرافيا تجمع قبائل وجهات، وإنما كان مجتمعاً تشكلت شخصيته من تداخل ثقافات وموروثات وقيم اجتماعية عظيمة، كان من أبرزها الحياء، واحترام الكبير، وصون الخصوصية، وإكرام الضيف، وحفظ الجيرة، وعدم تحويل الخلافات الشخصية إلى معارك اجتماعية مفتوحة.
لكن يبدو أن بعض هذه القيم بدأت تتعرض لاختبار قاسٍ في زمن أصبحت فيه كاميرا الهاتف حاضرة في كل مكان، وأصبح بعض الناس يتعاملون مع النشر وكأنه حق مطلق، دون أن يتوقفوا كثيراً أمام السؤال الأهم: ماذا سيحدث عندما يرى العالم ما نشرناه؟
لقد كان المجتمع السوداني، في كثير من مراحله، يعرف كيف يحفظ عيوبه داخل جدرانه، وكيف يعالج مشكلاته بعيداً عن أعين الناس، ليس خوفاً من المجتمع فقط، وإنما احتراماً للذات والآخرين.
أما اليوم، فقد أصبح ما كان يُستر بالأمس يُنشر أحياناً على الملأ، وما كان يُعالج بالحكمة أصبح مادة للتشهير والسخرية والمكايدة، وما كان خلافاً بين أفراد قد يتحول بفعل وسائل التواصل إلى صراع قبلي أو جهوي.
والأمر لا يتوقف عند الملاسنات.
فقد سبق أن كتبت عن بعض ما يُقام باسم السودانيين في الخارج من حفلات وسهرات ومظاهر لا تمت إلى قيم المجتمع السوداني وموروثاته بصلة، خصوصاً عندما تتجاوز الحرية حدودها الطبيعية، وتتحول إلى مشاهد تخدش الحياء العام أو تقدم صورة مشوهة عن السودانيين أمام المجتمعات التي يعيشون بينها.
وأنا هنا لا أدعو إلى الوصاية على الناس، ولا إلى محاكمة المجتمع بأكمله بسبب سلوك أفراد، ولكنني أدعو إلى وقفة جادة مع أنفسنا.
هل أصبحنا نبيع صورتنا الاجتماعية من أجل مشاهدات؟
وهل أصبح “الترند” أهم من سمعة الأسرة والحي والمدينة والوطن؟
وهل أصبحت الخلافات الشخصية مبرراً لإطلاق عبارات قبلية أو جهوية يمكن أن تؤجج الكراهية وتفتح جراحاً نحن في أمسّ الحاجة إلى إغلاقها؟
لقد قال الشاعر:
> **إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
> فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا**
والمعنى هنا ليس شعراً يقال، وإنما حقيقة اجتماعية وتاريخية؛ فالأمم لا تحافظ على تماسكها بالقوانين وحدها، وإنما بالقيم التي يعيشها أفرادها، وبقدرتهم على احترام بعضهم بعضاً حتى في لحظات الاختلاف.
والسودان اليوم، بعد ما مر به من حرب وانقسام ونزوح وتمزق اجتماعي، أحوج ما يكون إلى استعادة أخلاقه وموروثاته وقيمه الجامعة، لا إلى إنتاج مزيد من خطاب الكراهية والقبلية والجهوية.
ومن هنا، أود أن أهمس إلى رئيس مجلس السيادة وإلى رئيس مجلس الوزراء بأن ملف المحتوى الإلكتروني الذي يتضمن خطاب الكراهية والتحريض القبلي والتشهير والإساءة المنظمة لا ينبغي أن يُترك بلا معالجة مؤسسية.
وهنا تبرز أهمية تفعيل دور الجهات المختصة بجرائم المعلوماتية والجرائم الإلكترونية وقضايا النشر الإلكتروني، وفق القانون وبما يضمن في الوقت ذاته حرية التعبير وحقوق الأفراد، مع التعامل بحزم مع المحتوى الذي يتجاوز الخلاف الشخصي إلى التحريض على الكراهية أو إثارة الفتنة أو الإساءة إلى مكونات المجتمع.
ولست مع تحويل كل خلاف إلى “قضية أمن دولة”، فالدولة القوية هي التي تضع لكل فعل وصفه القانوني الصحيح، ولكنني أرى أن المحتوى الذي يستهدف السلم الاجتماعي ويؤجج القبلية والجهوية في بلد أنهكته الحرب يستحق اهتماماً مؤسسياً جاداً، لأنه لا يضر أشخاصاً بعينهم فقط، وإنما يمكن أن يترك أثراً على النسيج الاجتماعي كله.
وفي المقابل، تقع مسؤولية كبيرة على الإعلاميين وصناع المحتوى وأصحاب المنصات السودانية في الخارج والداخل.
نحن بحاجة إلى إعلام يعيد بناء الإنسان السوداني، لا إعلام يستهلك عيوبه.
نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار للحياء دون أن نعود إلى الانغلاق، ولحرية التعبير دون أن نحولها إلى إساءة، وللنقد دون تشهير، وللاختلاف دون قبلية، وللشهرة دون أن ندفع ثمنها من كرامتنا.
السودان ليس مثالياً، ولم يكن يوماً مجتمعاً بلا أخطاء، لكن لديه رصيداً أخلاقياً وثقافياً واجتماعياً عظيماً يستحق أن نحافظ عليه.
فلا تجعلوا من هواتفنا نوافذ تطل على أسوأ ما فينا.
ولا تجعلوا من خلافاتنا الشخصية جسوراً تعبر عليها الفتنة إلى مجتمعنا.
فالحرب ستنتهي، والبندقية ستصمت، ولكن آثار ما نزرعه اليوم في النفوس قد تبقى سنوات طويلة.
فلننتبه لما نقول، وما نصور، وما ننشر… لأن صورة السودان التي نكتبها اليوم على شاشات هواتفنا، قد تكون هي الصورة التي يقرأ بها الآخرون وطننا غداً.







