- هذه القصة المؤثرة جدا، والأقرب للخيالية في كل تفاصيلها بزمن لا يعرف قدر العلم والعلماء ناهيك عن احترامهم وتوقيرهم، هذه القصة النادرة، والتي أصبحت (ترند) بلغة أهل هذا العصر، والتي تصدرت في كل الأحوال الوسائط الاجتماعية المتعددة في مصر، حيث تحكي هذه القصة المؤثرة والمؤلمة في نفس الوقت عن البروفيسور حسن سيد أحمد، أحد علماء السودان في مجال الفيزياء، هذا العالم الذي اضطرته ظروف الحرب التي اشتعلت، وهو لا يد له فيها كأغلبية هذا ال
0
د. الفاتح كامل
هذه القصة المؤثرة جدا، والأقرب للخيالية في كل تفاصيلها بزمن لا يعرف قدر العلم والعلماء ناهيك عن احترامهم وتوقيرهم، هذه القصة النادرة، والتي أصبحت (ترند) بلغة أهل هذا العصر، والتي تصدرت في كل الأحوال الوسائط الاجتماعية المتعددة في مصر، حيث تحكي هذه القصة المؤثرة والمؤلمة في نفس الوقت عن البروفيسور حسن سيد أحمد، أحد علماء السودان في مجال الفيزياء، هذا العالم الذي اضطرته ظروف الحرب التي اشتعلت، وهو لا يد له فيها كأغلبية هذا الشعب المغلوب على أمره، اضطر لمغادرة السودان في ظروف صعبة للغاية يعلمها الجميع، ليبدأ من الصفر في مصر الجارة العزيزة التي أحتضنه كغيره ممن لجأ إليها من أهل السودان البلد المنكوب ببعض العاقين من بنيه، فاشتغل ببيع الخضار في حي فيصل وسط القاهرة، وبكل كرامة وصبر وعفة – والعمل أيا كان نوعه ـ في نهاية المطاف ـ عزة وشرف لمن يقوم به دون تأفف أو تكبر ـ عمل هذا العالم الجليل في مجاله الجديد دون أن يحكي للناس عن معاناته أو مكانته العلمية، ولا التخصص الدقيق الذي كان يعمل به ولا المنصب الرفيع الذي كان يتولاه قبل هذه المحنة التي ألمت بوطنه. وتلك قصة أخرى لم يحن وقت سردها بعد…
بمحض الصدف الغريبة، والتي تغير غالبا مجريات حياة كثير من الصابرين في البأساء والضراء، والعافيّن عن الناس، رأى بروفيسور حسن إعلانا عن وظيفة أكاديمية في جامعة ألمانية مرموقة، فقام بإرسال سيرته الذاتية مرفقة مع شهاداته وأبحاثه التي كان يوليها اهتمامه قبل اندلاع الحرب الأخيرة، وبعد المراجعة والمنافسة مع غيره من العلماء الذين تقدموا لنفس الوظيفة، ومن دول متعددة المشارب والاتجاهات، اُختير ليس من باب الشفقة لحاله، فتلك قصة لا يعرف عنها إلا القليل من الذين حوله، ولكن اُختير لكفاءته وجدارته بهذه الوظيفة حينما دعته الجامعة الألمانية للمجيء للعمل بها حيث يتمنى كثير من الناس العيش تحت ظلال ماكينة العمل الألمانية العملاقة.
قبل سفره الذي حُددت مواعيده، قام بروفيسور حسن بوداع أهل حي فيصل وسط القاهرة، حيث كان يقيم به، ويبيع الخضار في طاولة صغيرة بسيطة تعرف بـالبسطة كما قام بوداع المصلين في الجامع الذي كان يصلي فيه، ويفرش خضاره المتواضع بالقرب منه، تجمع رواد المسجد لوداعه والحسرة والدموع تملأ عيونهم لطيبة وحسن تعامل الرجل وأدبه الجم، وهنا كانت المفاجأة الكبرى، فالعم حسن، بائع الخضار البسيط الكم وصاحب التعامل الإنساني الراقي، طلع بروفيسور وعالم فيزياء، وفوق كل ذلك عميدا سابقا لكلية سودانية عريقة في ذات المجال!
يا الله، يا الله…
يا سلام يا سلام…
عندما تكون النفس طيبة وأصيلة وراضية بما قسم الله لها، فالظروف مهما كانت، ومهما قست وتطاولت يمكنها تغيّير شكل ونوع شغل وبل مكان الإنسان ومكانته الاجتماعية، لكن العلم والأصالة والقيمة الحقيقية للإنسان تظل كما هي، ويستحيل تغيرها مهما جارت الحياة، وصبت جام غضبها وسياطها التي تلهب ظهور الضعفاء من البشر في لحظة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ورب العباد في ملكوته الأعلى لا يرضى لهم الظلم أبدا، وينصرهم ولو بعد حين.
الجميل في هذه القصة شديدة التأثير، وما دعاني للكتابة عنها بهذا الصدق للعظة والاعتبار، أن التواضع إحدى صفات أهل السودان والكثير من أهل هذه المنطقة التي نعيش فيها وحولها، التواضع مع البساطة والزهد، وعدم التفاخر بالعلم أو المكانة أو المال أو الحسب أو النسب تعد ميزة أساسية لشعوبنا على بقية شعوب الكرة الأرضية الأخرى.
وبلادنا الحبيبة في كل زمان ومكان مليئة، وتزخر بهذه النماذج المشرقة المضيئة والمشرفة مثل البروفيسور حسن، علماء وأساتذة وأطباء ومهندسين وأصحاب مهن عمالية عالية مهارات وخبرات ومؤهلات كبيرة يصعب حملها على أصحاب الهمم الضعيفة الواهية، لكن هؤلاء العلماء الأكارم على جلال مكانتهم، عاشوا من قبل وسوف يعيشون ما طال العمر بهم وسط الناس عامة الناس ببساطة، وتواضع وزهد لا لشيء، ولكن لسبب وحيد، هؤلاء العلماء الأكفاء رضعوا العلم في مناهله الأولى من علماء اجلاء كان ميزتهم الأساسية ذات الخصال التي تمتع بها السلف الأخيار من العلماء. فكانوا خيرا خلف لخير سلف أنعم وأكرم بهم جميعا.
وأختم بما قاله المتنبي شاعر العربية الكبير:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
*البسطة فرش بسيط من الحصير أو الخيش أو القماش لعرض الخضار والفاكهة، وما شابه من أنواع البضاعة المعروضة للبيع، وغالبا تفترش في الأرض، هذه العادة التقليدية الموروثة للبيع الحلال في أجل صوره، موجودة في السودان والسعودية ومصر، ومعظم بلاد الخليج وسوريا ولبنان وبلاد المغرب العربي الكبير، وأغلب الدول العربية بمجملها، ولقد رأيت بأم عيني تلك البسطة في العديد من المدن الرئيسة بهذه البلدان التي ذكرتها، وبمختلف دول العالم، وفي جميع قارات الدنيا، تلك الأماكن المنزوية من خارطة الترف والكبرياء المزيف، وفيها ما فيها من روائح قوية وعميقة تنعش القلب والذاكرة معا، وـ خصوصا ـ في أحيائها القديمة العتيقة.
ولقد كتب عن هذه البسطة قبلي بكلماته المرحة الطليقة الكاتب السعودي خفيف الظل والروح معا الأستاذ محمد علي الشاعري عن دور هذه البسطة الأساسي في حفظ التقاليد الموروثة في مجتمعاتنا قديما، وحتى اليوم، وقبل كل ذلك في حفظ وتماسك وتكاتف الكثير من الأسر المتعففة في كتابه الموسوم” بسطة أم محمد وسمن عمتي صفية بالسوق الشعبي”، وللحقيقة استشفيت روح ذلك الكتاب المعبر عن قيمنا المشتركة المتوارثة بهذه المنطقة المهمة من العالم في عنوان هذا المقال، فكان أفضل بداية لخير غاية.







