اردوغان.. وتحرير الإقتصاد التركي
- من شوارع إسطنبول بدأ صعود رجب طيب أردوغان إلى قمة السياسة التركية، ليصبح خلال أكثر من عقدين أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ تركيا الحديث
- ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، ثم تولي أردوغان رئاسة الوزراء عام 2003، وبعدها رئاسة الجمهورية عام 2014، ارتبط اسمه بمشروع واسع لإعادة تشكيل الاقتصاد والبنية التحتية ومكانة تركيا إقليميًا ودوليًا
- لم يكن المشروع قائمًا على الاقتصاد وحده، بل امتد إلى الصحة وال
تحقيق صحفى / إسماعيل خفاجى
من شوارع إسطنبول بدأ صعود رجب طيب أردوغان إلى قمة السياسة التركية، ليصبح خلال أكثر من عقدين أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ تركيا الحديث. ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، ثم تولي أردوغان رئاسة الوزراء عام 2003، وبعدها رئاسة الجمهورية عام 2014، ارتبط اسمه بمشروع واسع لإعادة تشكيل الاقتصاد والبنية التحتية ومكانة تركيا إقليميًا ودوليًا.
لم يكن المشروع قائمًا على الاقتصاد وحده، بل امتد إلى الصحة والتعليم والنقل والطاقة والصناعة والدفاع والإسكان والخدمات الاجتماعية.
البداية..
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كانت تركيا خارجة من أزمة اقتصادية حادة في بداية الألفية. وبدأت الحكومة الجديدة في تنفيذ سياسات ركزت على الاستثمار والإنتاج وتوسيع البنية التحتية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وبحسب أرقام أعلنتها الرئاسة التركية، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 238 مليار دولار إلى مستويات تجاوزت تريليون دولار، كما ارتفعت الصادرات من نحو 35 مليار دولار في 2002 إلى أكثر من 270 مليار دولار في السنوات الأخيرة.
وهنا ظهرت فلسفة أردوغان الاقتصادية التي تقوم على دعم الإنتاج والتوظيف والاستثمار والتصدير باعتبارها ركائز للنمو.
الطرق والمطارات.. تغيير وجه تركيا
من أكثر الملفات التي ارتبطت بحكم أردوغان ملف البنية التحتية.
شهدت تركيا توسعًا كبيرًا في شبكات الطرق السريعة والجسور والأنفاق والمطارات، إلى جانب مشروعات ضخمة في النقل العام والسكك الحديدية.
وتقول الحكومة التركية إن الاستثمارات في البنية التحتية خلال نحو عقدين اقتربت من 300 مليار دولار، في قطاعات النقل والطاقة وغيرها.
وكان الهدف المعلن من هذه المشروعات ليس تحسين حياة المواطنين فقط، وإنما أيضًا تحويل تركيا إلى مركز للنقل والتجارة بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
الصحة.. من المستشفيات إلى المدن الطبية
من الملفات التي ركزت عليها حكومات أردوغان قطاع الصحة.
وشهدت تركيا توسعًا في المستشفيات الحكومية، وخاصة مشروع المدن الطبية، إلى جانب خدمات الرعاية الصحية المنزلية.
وفي عام 2025، قالت الرئاسة التركية إن الدولة أكملت 25 مدينة طبية تضم أكثر من 37 ألف سرير، كما وصلت خدمات الرعاية الصحية المنزلية إلى نحو 2.9 مليون مواطن.
وهذه السياسة جعلت قطاع الصحة أحد أبرز المجالات التي تستخدمها الحكومة لتقديم نموذجها في الخدمات العامة.
حماية المواطن.. الدعم الاجتماعي في مقدمة المشهد
لم تقتصر السياسات على المشروعات الكبرى، بل شملت برامج للدعم الاجتماعي والأسر ذات الدخل المحدود والمتقاعدين والفئات المحتاجة.
وبحسب بيانات الحكومة التركية، بلغت المدفوعات المقدمة للمواطنين المحتاجين نحو 4.97 تريليون ليرة وفق الأرقام التي عرضها أردوغان في 2025، كما توسعت برامج الدعم الأسري والخدمات الاجتماعية.
ومن وجهة نظر الحكومة، يمثل هذا الجانب جزءًا من مفهومها لـ”حماية المواطن”، خاصة في فترات الأزمات الاقتصادية والكوارث.
الزلزال.. اختبار صعب للدولة
كان زلزال فبراير 2023 واحدًا من أصعب الاختبارات التي واجهت تركيا في عهد أردوغان، بعدما تسبب في خسائر بشرية ومادية هائلة.
وأطلقت الحكومة برنامجًا واسعًا لإعادة الإعمار وبناء مساكن جديدة لمتضررين.
وفي تصريحات رسمية، قالت الرئاسة التركية إن أكثر من 201 ألف منزل كان قد تم تسليمها للمتضررين، مع استمرار بناء مساكن إضافية.
وأصبحت عملية إعادة الإعمار واحدة من أكبر الملفات الاقتصادية والاجتماعية في تركيا خلال السنوات الأخيرة.
الطاقة.. البحث عن الاستقلال
أدركت حكومة أردوغان أن الطاقة تمثل عنصرًا حاسمًا في الاقتصاد التركي، خصوصًا أن تركيا تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها من الطاقة.
لذلك اتجهت إلى زيادة إنتاج الطاقة المحلية، والتوسع في الطاقة المتجددة، والبحث عن النفط والغاز.
ومن أبرز الاكتشافات حقل الغاز في البحر الأسود، إضافة إلى زيادة إنتاج النفط في منطقة غابار. وتقول الحكومة إن القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء ارتفعت بصورة كبيرة خلال فترة حكمها، مع ارتفاع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة.
الصناعة والدفاع.. تركيا تريد إنتاج ما تحتاجه
من أكثر التحولات إثارة للانتباه نمو الصناعات الدفاعية التركية.
فقد استثمرت الدولة في تطوير الطائرات المسيرة والسفن والمركبات المدرعة وأنظمة الدفاع والطائرات الحربية وغيرها، مع التركيز على تقليل الاعتماد على الخارج وزيادة الصادرات.
وأصبحت الصناعات الدفاعية واحدة من القطاعات التي تراهن عليها أنقرة لتطوير التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة للصادرات.
وفي عام 2024، قالت الحكومة إن صادرات الصناعات الدفاعية وصلت إلى 7.15 مليار دولار، وهو مستوى قياسي بحسب البيانات الرسمية.
التجارة والصادرات.. تركيا إلى الأسواق العالمية
ربما يكون التصدير أحد أوضح المؤشرات على التحول الاقتصادي التركي.
فقد وصلت صادرات السلع التركية إلى نحو 273.3 مليار دولار في 2025، بينما بلغت صادرات الخدمات نحو 122.6 مليار دولار، بحسب بيانات رسمية. كما سجل إجمالي صادرات السلع والخدمات نحو 395.9 مليار دولار في 2025.
هذه الأرقام تعكس توسع الشركات التركية في الأسواق العالمية، من السيارات والمنسوجات والأجهزة الكهربائية إلى الغذاء والآلات والخدمات.
لكن.. هل القصة كلها نجاح؟
فالاقتصاد التركي واجه أيضًا تضخمًا مرتفعًا، وتراجعًا كبيرًا في قيمة الليرة التركية، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، وهي ملفات شكلت تحديًا كبيرًا لحكومة أردوغان.
ولهذا اتجهت السلطات في السنوات الأخيرة إلى برنامج اقتصادي يركز على خفض التضخم وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم بدأ في التراجع من المستويات المرتفعة التي شهدتها تركيا في 2024، مع استمرار السياسة النقدية المشددة وبرنامج خفض التضخم.
أردوغان.. بين الإنجاز والجدل
رجب طيب أردوغان ليس شخصية سياسية عادية في تاريخ تركيا المعاصر. فأنصاره يرون أنه نقل البلاد إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستثمار والمشروعات الكبرى، وجعل تركيا لاعبًا اقتصاديًا وصناعيًا ودفاعيًا أكثر حضورًا في العالم.
وفي المقابل، فإن منتقديه يركزون على ملفات التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، والسياسات النقدية، إضافة إلى قضايا سياسية وحقوقية لا يمكن فصلها عن تقييم تجربته.
وبالتالي، فإن تقييم تجربة أردوغان يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة: إنجازات اقتصادية ومشروعات ضخمة من جهة، وتحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية من جهة أخرى.
الخاتمة
بعد أكثر من عشرين عامًا في قلب الحكم التركي، أصبح اسم رجب طيب أردوغان مرتبطًا بمرحلة طويلة من التحول في تركيا.
من الطرق والجسور والمطارات إلى المستشفيات والمدن الطبية، ومن الغاز الطبيعي والنفط إلى الصناعات الدفاعية والطائرات المسيرة، ومن زيادة الصادرات إلى برامج الدعم الاجتماعي، حاولت حكومات أردوغان بناء اقتصاد تركي أكثر إنتاجًا وقدرة على المنافسة.
لكن الاختبار الحقيقي للمشروع سيظل في قدرته على تحقيق النمو مع خفض التضخم، ورفع القوة الشرائية للمواطن، وتحسين مستوى المعيشة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
وهنا تكمن القصة الأهم: **هل استطاعت تركيا أن تتحول إلى قوة اقتصادية كبرى بالفعل، أم أن المرحلة المقبلة ستكون الاختبار الأصعب لمشروع أردوغان







