إِلَى مَتَى؟ وَمَا الْمَخْرَجُ؟ حين تتصارع الأنا الإدارية، تُهدر طاقات التطوير المؤسسي..بقلمةالدكتور عيد علي عبد الواحد
- إِلَى مَتَى؟ وَمَا الْمَخْرَجُ؟ حين تتصارع الأنا الإدارية، تُهدر طاقات التطوير المؤسسي
- مدير الاكاديمية المهنية للمعلمين وعميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة بالمنيا الاسبق
- من أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات الإدارية المحترمة ليس نقص الكفاءات، ولا محدودية الإمكانات، ولا غياب الخطط، وإنما أن تتحول طاقاتها البشرية، التي يُفترض أن تكون قاطرةً للتطوير والإنجاز، إلى طاقاتٍ مستنزفة في صر
إِلَى مَتَى؟ وَمَا الْمَخْرَجُ؟ حين تتصارع الأنا الإدارية، تُهدر طاقات التطوير المؤسسي..بقلمةالدكتور عيد علي عبد الواحد
مدير الاكاديمية المهنية للمعلمين وعميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة بالمنيا الاسبق
من أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات الإدارية المحترمة ليس نقص الكفاءات، ولا محدودية الإمكانات، ولا غياب الخطط، وإنما أن تتحول طاقاتها البشرية، التي يُفترض أن تكون قاطرةً للتطوير والإنجاز، إلى طاقاتٍ مستنزفة في صراعاتٍ داخلية، وشكاوى متبادلة، وردودٍ متلاحقة، وأحكامٍ غير موضوعية، ومواقفَ تحكمها الأهواء الشخصية أكثر مما تحكمها معايير العمل والإنصاف.
فبين الغطرسة الإدارية من جانب، وغياب الموضوعية في أحكام بعض المرؤوسين من جانب آخر، تضيع الأهداف، وتتراجع الثقة، وتُستنزف الجهود، وتُهدر النواتج والمخرجات التي أُنشئت المؤسسات من أجل تحقيقها.
إنَّ المناصب الإدارية، مهما علت، ليست امتيازاتٍ شخصية، ولا أدواتٍ لفرض الهيمنة أو إثبات النفوذ، وإنما مسؤولياتٌ أخلاقية ومهنية تستوجب التواضع، والعدل، واحترام الكرامة الإنسانية، وحُسن الاستماع، وقبول النقد الموضوعي. وفي المقابل، فإنَّ العمل المؤسسي الرشيد لا يستقيم أيضًا مع مرؤوسٍ يُسيء تفسير القرارات، أو يُصدر أحكامًا سلبية أو إيجابية دون أدلة، أو يجعل من الخلاف الإداري خصومةً شخصية، ومن الشكوى وسيلةً لتصفية الحسابات.
إنَّ أخلاقيات التعامل بين الكبار لا تعني التنازل عن الحقوق، ولا الصمت عن الأخطاء، ولا المجاملة على حساب المصلحة العامة؛ بل تعني أن نختلف دون تجريح، ونعترض دون تشويه، ونحاسب دون انتقام، ونُنصف دون محاباة، ونتعامل مع الوقائع لا مع الظنون، ومع الأدلة لا مع الانطباعات.
والأخطر من ذلك أن تتحول المؤسسة إلى ساحةٍ مفتوحة لتبادل الشكاوى والردود والدفاع عن المواقف، فينشغل المسؤول بإثبات أنه على صواب، وينشغل المرؤوس بإثبات أن المسؤول مخطئ، وتصبح الأوراق والردود والمذكرات أكثر حضورًا من الإنجازات، ويُستهلك وقت الجميع في إدارة الخلاف بدلًا من إدارة العمل. وهنا لا تكون الخسارة في الوقت والجهد فحسب، بل تمتد إلى تعطيل القرارات، وإضعاف المبادرات، وتراجع الروح المعنوية، وإهدار فرص التطوير، وربما ضياع حقوق المستفيدين من خدمات المؤسسة.
فأيُّ قيمةٍ لخطط التطوير إذا استُنزفت طاقات القائمين عليها في صراعاتٍ جانبية؟ وما جدوى امتلاك الكفاءات إذا لم تجد بيئةً إداريةً عادلةً تُحسن توظيفها؟ وكيف نطالب العاملين بالإنجاز، بينما يُترك المجال لصراعات النفوذ، والأحكام المتسرعة، والحساسيات الشخصية، لتصبح هي المحرك الفعلي للعلاقات داخل المؤسسة؟
فإلى متى؟ وما المخرج؟
إنَّ الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالشعارات، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بتغليب طرفٍ على آخر، وإنما بإعادة الاعتبار إلى أخلاقيات الإدارة الرشيدة، وترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل العمل والنتائج والمصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.
ومن أهم المقترحات العملية:
أولًا: إقرار ميثاق أخلاقي للتعامل المؤسسي، يلتزم به القيادات والمرؤوسون على السواء، ويؤكد احترام الكرامة، والموضوعية، والشفافية، وعدم استغلال السلطة، ورفض الإساءة والتشهير وتصفية الحسابات.
ثانيًا: ضبط منظومة الشكاوى والتظلمات، من خلال قنوات واضحة ومستقلة نسبيًا، ومواعيد محددة للفحص والرد، ومعايير موضوعية للتحقق، بما يضمن حماية صاحب الحق، ويمنع تحويل الشكوى إلى أداة ضغط أو خصومة شخصية.
ثالثًا: إخضاع القيادات والمرؤوسين للمساءلة بمعايير واحدة؛ فلا حصانة للمنصب من النقد والمحاسبة، ولا إعفاء لأحد من المسؤولية بحجة أنه صاحب شكوى أو طرفٌ أضعف في العلاقة الإدارية.
رابعًا: ربط تقييم الأداء بالنواتج والمخرجات الفعلية، لا بكثرة المذكرات والردود، ولا بمدى القرب من المسؤول أو القدرة على التأثير في الآخرين. فالمعيار الحقيقي هو ما أُنجز، وما تحسن، وما تحقق من أهداف المؤسسة.
خامسًا: تفعيل آليات الوساطة والتسوية المبكرة للخلافات، قبل أن تتحول الاختلافات المهنية إلى أزماتٍ إدارية ممتدة تستنزف الموارد وتُفسد العلاقات.
سادسًا: حماية وقت القيادات والعاملين من الاستنزاف الإداري، بوضع ضوابط تمنع تكرار المكاتبات غير الضرورية، وتحدد المسؤوليات والصلاحيات، وتوجّه الجهد إلى الحلول والإنجازات بدلًا من الدوران في حلقاتٍ مفرغة.
سابعًا: ترسيخ ثقافة الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار؛ فالقائد القوي ليس مَن لا يخطئ، بل مَن يراجع قراراته بشجاعة، والمرؤوس الواعي ليس مَن يوافق دائمًا، بل مَن يعترض بموضوعية ويقدم بدائل قابلة للتنفيذ.
كلمة أخيرة
إنَّ المؤسسات لا تتقدم بمجرد وجود قياداتٍ قوية أو كوادرَ متميزة، وإنما تتقدم حين تتكامل القوة الإدارية مع النزاهة، والسلطة مع المسؤولية، والاعتراض مع الموضوعية، والمحاسبة مع العدالة، والطموح الشخصي مع المصلحة العامة.
فليس من الحكمة أن ينتصر مسؤولٌ في معركةٍ إدارية ويخسر مؤسسته، ولا أن يثبت مرؤوسٌ صحة شكواه بينما تتعطل مصالح العمل، ولا أن ينشغل الطرفان بإثبات مَن المخطئ، بينما تضيع منهما فرصة إصلاح الخطأ.
إنَّ النجاح المؤسسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي حُسمت داخل المكاتب، ولا بعدد الشكاوى التي رُدَّ عليها، وإنما بما تحقق من إنجاز، وما صين من كرامة، وما أُنجز من تطوير، وما قُدِّم من خدمة للمجتمع.
فإلى متى نستنزف طاقات البناء في معارك الاستنزاف؟ وما المخرج إذا لم نُعِد توجيه الجهود من صراعات الأشخاص إلى صناعة النتائج؟
إنَّ احترام المؤسسة يبدأ حين يدرك الجميع أن المناصب زائلة، وأن المسؤوليات أمانة، وأن الخلاف لا يُفسد للإنصاف قضية، وأنَّ أكبر خسارة إدارية ليست أن يختلف الكبار، بل أن تتحول خلافاتهم إلى عبءٍ يدفع ثمنه العمل والعاملون والمجتمع.







